كورونا والمعنى:الله
كتبت ونشرت إبريل 2020
الله تعالى, تقدست صفاته, أعطانا حرية الإرادة بشكل مطلق, فنحن مخيرين على الدوام, نحن مسؤلين بشكل كامل عن كل أفعالنا, هذه المسؤولية النابعة من الإرادة الحرة هي ما عبر عنها الله تعالى في تنزيله الحكيم
(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) الأحزاب72.
إن أخذنا السماوات والأرض والجبال سنجد أن المشترك بينهم بشكل واضح, هو خضوعها لقوانين محكمة ثابتة لا تتغير من تلقاء نفسها, لن نجد في أقليم مداري ثلوج, كما لن نرى شمس تطلع على الأرض من الغرب, لن نجد جبل يتحرك من تلقاء نفسه.
فحرية الحركة والإرادة والتغيير منوطين مجتمعين في الإنسان فقط لا غير, الإنسان فقط من لديه حرية الإختيار المطلقة حسب إمكانياته.
لكن إن كان الإنسان لديه حرية الإرادة المطلقة, أين يقع ذلك من علم الله.
دعونا نتخيل الله حسب قدراتنا المحدودة, وكما نعرف عنه سبحانه.
نعرف أنه غير محدود بزمان أو مكان, كما أنه غير محدود بمادة, ولا محدود بأي نطاق أو بعد لدينا.
فالله غير مقيد بالقيود البشرية, هنا أول معطى لنا..
الزمان والمكان غير مقيدين لحركته سبحانه.
….
دعني أقرب تلك الفكرة, وأستعير شخصية من سلسة مصورة لألان مور تدعى (The watchmen).
بنى ألان مور شخصية تدعى دكتور مانهاتن, هذه الشخصية تتحرك في الزمكان بحرية, تستطيع أن تتحدث معك على الأرض, وهي تخلق كوكب في مجرة أخرى, وحاضرة على سطح نجم أخر, وفي نفس اللحظة, تكون مع شخص أخر في الماضي, وأخر في المستقبل.
وهكذا الله, وله المثل الأعلى.
…
…..
يقول حكماء الشرق, من بوذين وطاويين و متصوفة وغيرهم, وقال مثل قولهم أجدادنا القدامى(من أصطلح على تسميته زورا بالفراعنة) أن اللحظة الحقيقية الوحيدة هي الحاضر, الآن, وما سواها وهم.
فالماضي تعالجه ذكرياتنا و حنيننا إليه أو كرهنا له, والمستقبل تعالجه طموحتنا و أحلامنا أو كوابيسنا إليه.
فلا حقيقي بداخل الفرد منا سوى اللحظة الآنية, التي يعيشها كل فرد منا.
تلك اللحظة, هي ما نشهد فيها وجود الله, إن تأملنا, أو وصلناه سبحانه, بصلاة قائمة أو صلاة ذكر, فالصلاة من الصلة, تختلف أشكالها ودرجات التعبير عنها, ويبقى المعنى… الصلة.
الله موجود في كل مكان, وزمان, يخلق الأكوان ويمدد السموات, يحذر آدم عليه السلام من أكل الشجر, ويكلم موسى (ص) عند الجبل, كل ذلك حدث, ويحدث وسيحدث.
يرى أفعالنا وأختيارتنا, يسمع دعاءنا ونداءنا, ويشهد أخطائنا وعصياننا…
فالله موجود, قبل وبعد وأثناء الخلق, وكل ذلك حدث, ويحدث, وسيحدث.
….
كل إنسان يرى الله بمرآة ذاته, فالرحيم يرى الله رحيما, والغضوب يرى الله غضوبا, والحسي يرى الله حسيا…
أهدى الله لنا صفاته, كي نراه بمرايا ذواتنا, وغلب الرحمة والمغفرة, كي نصقل تلك المرايا بالرحمة والمغفرة, كي نغلب الرحمة داخلنا والمغفرة على ماساواهم, لأنه عز وجل
(وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا) الكهف 58
وهنا الدرس المهم, أن صبر الله يسير مع مغفرته ورحمته, لأن البشر متغيرين, ومن يكفر اليوم, يمكن أن يؤمن بالغد, ومن يؤمن اليوم, يمكن أن يكفر بالغد.
……
الله يعلم اختياراتنا, لأنه غير محدود بزمان أو مكان, فهو يعلم ما نختار وسنختار لأن الزمان والمكان غير مقيدين له سبحانه وتعالى, لكنها تبقى اختيارتنا الحرة, حتى بعلم الله..
…
لكن هناك شيئ واحد يتدخل الله فيه, وهو الهداية والضلال.
فهو يساعد ويأخذ بيد من يساعد نفسه, فالله لا يهدي من لا يعمل للهداية, سأضرب مثالا على ذلك..
ابتلي شخصا بمصيبة, كان مسؤولا بأفعاله عن جزء منها, وبقية الأجزاء كان مسؤلية الأطراف الأخرى, هذا الشخص, أمامه اختيارات بسيطة
أ-أن يرى بماذا أخطأ, ويعقد العزم على ألا يكرر تلك الأخطاء على قدر إستطاعته.
ب-أن يلوم الزمن والظروف والطرف أو الأطراف الأخرى, ويغضب حتى على الله, ويرثي ذاته.
ج-أن يدخل في دوامة الإنكار, وأن كل شيئ على ما يرام, وأن ليس بالإمكان أفضل مما كان.
فالاختيار الأول, يساعد الله هذا الشخص ويهديه, بعد أن يتعرض لاختبارات كي يعلم الله صدقه
(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت 3
والاختيار الثاني يتركه الله في غضبه, ويضله
أما الإختيار الثالث, فيبقى الحال على ماهو عليه.
……
أعود مرة أخرى إلى صورة الله داخلنا..
يعلم الله خائنة الأعين وماتخفي الصدور(صدور لا تعني المكان الذي بداخله الرئتين والعضلة القلبية, بل تعني صدر الرأس, أي الجبهة) فالله يعلم ما نفكر فيه, بمجرد التفكير فيه, يعلم بنيتنا النفسية والعقلية, وبني الإنسان وإن كانوا شديدي الإختلاف والتميز, لكن هناك طيف واسع من المشترك بينهم, وهي رؤيتهم لذواتهم..
سنجد من يرون أنفسهم أقوياء, ومن يرونها رحماء, ومن يرون أنهم جبارين, ومنتقمين الخ.
إن قسمنا البشر على صفات الله, ستجد أن تلك القسمة تصح..
فالله تعالى, أورد صفاته في آيات تنزيله الحكيم لأسباب كثيرة, أعتقد أن سبب منها, أن يتواصل مع كل صفة-اسم أصحابه…
وترك لنا حين نتفكر في ذلك, أن نحصي تلك الصفات-الأسماء, ونرى ما غلبه الله منها, ونحاول أن نغير من ذواتنا كي نتشبه به سبحانه.
وأرى, ويمكن أن أكون على خطأ, أن أكثر الصفات ذكرا هي الرحمة, وهي ما أراد سبحانه أن نتشبه بها, وأن تلك الصفة كلما أبتعدنا عنها, كلما ذكرنا الله بها من حولنا
(وقل الحمدلله سيريكم آياته فتعرفونها, وما ربك بغافل عما تعملون) 93 النمل
أعطانا الله أمانة مقدسه, رفضها غيرنا, وحملناها نحن, ولم يتركنا الله وحدنا في حملها, لكن مدنا بآياته في الآفاق لنتعلم ونتفكر ونتدبر, ونصله سبحانه, والصلة العظمى في رأيي, هي الصلة برحمته, والتي إن تعلمناها, لتغيرت الأرض, ولانزاحت عنا الشرور…
Comments