لم أعد أحب الشياطين

    

عندما كنت صغير وإلى سنين قريبة, وأعتقد أن كثيرين مثلي, أشفقت على إبليس,تفهمت غضبه, ورفضه للسجود لآدم, كيف يسجد النار للتراب؟ وكيف يسجد(بالمعنى المتعارف عليه, والمعنى الأخر, فالسجود لا يعني الحركة فقط, بل هي تعبير عن التبعيه والخضوع, لذلك نجد آية "والنجم والشجر يسجدان"وهناك إختلاف ع تفسير الآية)

مع الوقت تشكل لدي مفهوم أن إبليس هو أول الموحدين(وجدت صدى لذلك عند الأزيديين فيما بعد) وأن رفضه للسجود نابع من تمسكه بالتوحيد (إبليس كفر بأمر الله, أي أنكره ولم يظهره, ولم يشرك) وأن غضبه نابع من العقوبة التي وقعت عليه بالطرد والحرمان.

عندما أحدث أحد المؤمنين بذلك, كان يغضب, ويخبرني أني لا أفهم كلمات الله… ويعيد لي الشرح, وأجد أن مايقوله هو غالبا ما أقوله لكن إستنتاجه المليئ بالنسبة لي بالفجوات, لا يجد لدي صدى.

لم أدرك وأنا أكبر أن المفاهيم الأكثر بساطة, هي من تشكلنا, وتضع القواعد لحياتنا, عشت جزء كبير من حياتي, أشعر بالشفقة تجاه الشياطين, الإنس منهم والجان, من قبيل أن هناك سبب جوهري يبرر له أفعاله, كنت غضوبا متسامحا مع غضبي, ومتفهما لغضب الأخر.

فكنت أصادق وأرتبط بشياطين, غافلا عمدا كل الأفعال الأخرى التي تصرخ بأنهم شياطين, فكان ردي أنهم ضحايا.




مع الوقت, إنصرف قلبي تدريجيا عن هذا الأمر والتفهم, بدايته كان مع آيات في آخر سورة المؤمنين.

قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين*ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون"

قضيت فترة من الزمن في محاولة فهم كلمة شقوتنا, فإن كانت نفس معني شقاء لقال الله على لسانهم "قالوا ربنا غلب علينا شقائنا…” فلما هنا استخدم شقوة لا شقاء ؟

شقو في اللغة تعني خلاف اليسر و السعادة,والشقوة هي التعاسة والمعاناة "فإن له معيشة ضنكا", لكن كيف تغلب التعاسة والمعاناة على اليسر والسعادة؟

حتى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين, لا توجد إجابة واضحة, فمن يقول أن البعد عن الله والشرك به هم من يؤدون إلى التعاسة, رغم إنه في كتاب الله, يخبرنا أنه يمد للظالمين مدا, وأنه يزيدهم من الخير فيزيد عماهم عن الحق, وأن هناك من يفتن بالخير لا بالشر"لنبلونكم بالخير والشر فتنة" فنظرية البعد عن الله يساوي الشقاء لا تستقم في مطلقها.

المختلف في زماننا هو ظهور علم النفس, الذي قام مؤسسوه ومن سار على أفكارهم بوضع أسس لشقاء الإنسان, من أهمهم إن لم تكن أهمهم, هو تأثير كرب ما بعد الصدمة, هذا التأثير يتعاظم إن كانت الصدمة في الطفولة ومتكرره, فهي تخلق فجوة هائلة في النفس الإنسانية, يحاول الإنسان ملئها بكل شيئ, ولا تمتلئ .

هذه الصدمة-التروما هو ما عبر الله عنه على لسان بعض أصحاب النار ب"غلبت علينا شقوتنا" فالشقوة تعريفها الأقرب عندي هي التروما, وهو أمر منطقي, أن يبرر شخص ما أفعاله الخاطئة والمؤذية بشقوات طفولته أو حياته.

ستجد الذكر أو الأنثى المسيئة يلجأون دائما لفكرة التروما التي قيدت حياتهم وأدت بهم إلى سلوك أفعال مسيئة ومؤذية للأخرين, تحت مسمى "الضحية" ف "الضحية" رغم أنه تعريف لشخص تم إيذاءه, فهي عندي تعريف أيضا لشخص يسهل عليه الأذى, لأنه تم إيذاءه أولا…

(لا أعمم في الفقرة السابقة, بل أشير إلى أفعال متكررة من أشخاص مختلفين)

الحياة تحت مظلة الضحية, بدون محاولات جادة لتغيير ذلك, بل وبشكل غير واع أو واع, التلذذ بذلك , يجعل البشر غير قادرين على إنشاء أي علاقات صحية في محيطهم, بل علاقات تبدأ بالشفقة والتعاطف, وتنتهي بالكره العنيف أو اللفظ.

كونك ضحية لحدث ما أو طفولة مخيفة, هو أمر شديد الظلمة والقسوة, وكل ما قدمت الشقوة, كلما تأصلت الفكرة.

والحل الوحيد لإنتهاء الشقوة, هو أن ترى نفسك خارج شخصية الضحية, وأن تحاول أن توقفها عندك, لا أن تمتد أجيالا من بعدك.

لكن القليل من يفعل ذلك, يتحدث الكثير عن علاجه النفسي, أو رحلته الروحية, أو مشاركته في (أشرم)-معتزل, أو انتماءه لطريقة صوفية, رأى في حضراتهم نور الله يتدفق عليهم, أو سافر ليجرب مهلوسات في طقوس أشبه بالدينية الخ.

ف كل له طريق, وكل يختار رحلته.

لكن القليل حقا من حمل أوزاره فوق ظهره ولم يعرضهم أو يخبئهم لكسب تعاطف أو احترام.

فالحياة رحلة تختلف أهدافها من شخص للأخر, لكن في جوهر هذه الرحلة باختلاف أهدافها, لابد أن تكون الشقوة هي هدف الرحلة الأكبر, فهي الغمامة التي نضعها بأيدينا على أعيننا, فنعمى عن نور الله في الطريق.

وإن وصلنا لقبول الشقوة, ووضعها في مكانها الصحيح كفعل حدث وإنتهى وليس لنا أي يد في تغيير معطياته, وأن الأخطاء التي فعلناها من بعدها وبسببها, هي السبب الرئيسي لوصولنا هنا وقبلها رحمة الله, ونرحم أنفسنا لإرتكابنا هذه الأخطاء ونغفر لنا, وقتها إن حققنا إيماننا وأخلصناه, دخلنا الجنة.

فالإيمان تحقيق والتحقيق وحدانية والإخلاص هو للرحمن.

….

لولا تلك الآية "ربنا غلبت علينا شقوتنا..” ربما كنت إلى هذه اللحظة أتعاطف مع إبليس, وأتفهم فعلته, فإبليس على مر العصور"آدم حتى تنزيل القرآن على محمد" لم يتراجع ولو مرة واحدة, لم يطلب الغفران, لم يعد إلى الله, وإن كانت العودة مرفوضة كما يقول البعض, فهو لم يحاول أن يتوقف عن الفساد والإفساد ولن يتوقف.

لا لشيئ إلا لأنه غلبت عليه شقوته, لم يتسامح مع ما بدا له أنه تقليل منه "خلقتني من نار وخلقته من طين" والنار نور والطين ظلمة, فكيف يخضع النور للظلمة ؟

وعلى الرغم من قدرة الله على إجباره وإخضاعه من وقتها, لكن الله لم يشأ ذلك, لأسباب متعددة, أهم ما أعلمه منها, هو أن نتعلم بالأمثال, فمثال إبليس وآدم هو أقدم مثال لبني الإنسان, ويمكن إستخلاص منه أكثر بكثير مما كتبته, لكن لأن لكل منا درسه, فما تعلمته من هذا المثال الممتد, أنه يمكن أن تكون ضحية, تعرضت لابشع الأشياء, لكن إن لم تكن هناك محاولات حقيقية وإرادة ذاتية لقبول ذلك وتجاوز كونك ضحية, فأنت والشيطان غير مختلفين كثيرا.

Comments

Popular posts from this blog

معارضه يا ولاد الكلب

عبد الكريم وحرية التفكير

الافراج عن ابو اسلام+محصلة يوم خنيق