لو سمحت "لاتهلع"



“والخوف يجي ليه من عدم الشوف"

حكت لي صديقة منذ أيام, أنها في طفولتها كانت تعتقد أن بقرة حاحا هي أغنية مخصصة للأطفال, على غرار جدو علي, وإنها اندهشت عندما كبرت وفهمت معاني الأغنية, علق في أذني الجملة السابقة من الأغنية, كوسواس لا ينصرف عني.

لم أكره الخوف يوما, تطبعت معه مثل الكثير من المشاعر مع الوقت, لم يمنعني الخوف يوما من فعل شيئ, لكنه دائما ماكان محفزا يحميني من مخاطر كثيرة, لولا لطف الله لما كنت أكتب هذه الكلمات.

دائما, عندما أحكي عن إشتباكات شاركت فيه, أو لحظات هروب من كماشة فرضت علينا, أني دائما ما كنت خائف, وكلما زاد خوفي زاد يقيني من النجاة, لا أخشى الخوف الغامر, ما أخشاه هو الخوف السطحي الذي لا أشعر معه بيقين.

أًجذب بشكل لا إرادي تجاه الظلام, كنت أرفض نفسي صغيرا, لكن مع العمر تعلمت أن الظلام هو خير معلم, وإن لم تمض في الظلام, لن تمض في النور, وإن لم تتعود عيناك على الظلمة, لن تنبهر بالضوء.

أثناء أيام الثورة, والست سنوات السابقة لها, لم أنكر على أحدا أبدا خوفه, سواء كنا في إشتباك دفاعي, أو في عربة الترحيلات, تخشيبات الأقسام والسجون.

شخصيا, مرت علي لحظات من الخوف الشديدة, لكن ماكان يستفزني دائما, هم ناشري الهلع بيننا"….يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم…” بسببهم من قبل الثورة, كنت أتجنب بشكل عمدي أن أكون وسط الحشد, دائما ما كنت في المقدمة سابقا أو في الذيل لاحقا, أو على الأطراف, وقبل أن تهجم علينا قوات الأمن, أبتعد وأشتبك منفردا, في أغلب الأوقات خرجت خاسرا, لكن ولا مرة شعرت بالهزيمة, لم أشعر بها إلا في أوقات قليلة, كان بجانبي أحد ناشري الهلع, مصدري خوفهم لمن حولهم.

أتسامح إن كان الخائف أنثى أو مراهقا, أحاول نصحهم في كل مرة أن يتبعدوا, أو يغادروا, لأن عدم وجوده أفضل بكثير للمجموعة من وجوده.

…..

لا يقبل الإنسان كونه خائفا, دائما مايبرر لخوفه, محولا إياه إلى عقلانية, حنكة, وحكمة, لا يفكر أثناء المعركة في الهجوم أو الدفاع, بل دائما في الإنسحاب, تحت شعارات تقليل الخسائر, أو تفاديها..

الخائف لديه دائما مبرراته, وأسبابه, رغم أن الخوف هو السبب الرئيسي لنجاتنا, لكن الرعب دائما هو السبب الأهم لإنتهاء دول و شعوب وأجناس.

المرعوب لا يتحرك, المرعوب يُشل, ويشل من حوله, أو يُعجزهم, وسيسكن الغضب قلوب الجميع, الخائف العاجز مهزوم من قبل المعركة.



“…….إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون مثلما تألمون….”

دعهم يتألمون قبل أن يستشهد أحد بهذه الآية, لكن إن دمر أحدهم أرضي, وشج رأسي, وكسر رجلي, فهل يكف أن أخدش وجهه وأتوقف مستشهدا بالآية ؟

لكن إن كسرت قدميه وشججت رأسه, وأستردت أرضي, هنا سأتوقف لأن الآلم تساوى, وأعدت حقي. “...فاعتدوا عليه بمثل ما أعتدى عليكم واتقوا الله…” واتقيت الله ولم أهن في ابتغاء القوم”ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون….”

……..




أغلب الهجمات الصاروخية الإيرانية في الحرب الماضية, كانت بلاجدوى حقيقية, بسبب رصدها من ردارات القواعد الأمريكية في الخليج, والوحدات الأخرى سواء في المطارات الحربية أو المدنية, إيران المفروض عليها حصار إقتصادي وعلمي خانق منذ نجاح الثورة في 1979 لا تملك طائرات حديثة في السلاح الجوي, بل صواريخ ومن ورائه برنامج فضاءجوي عملت على تطويره منذ الثمانينات, لتنتج مسيرات تستخدم على أكثر من جبهة صراع عسكري في العالم, وصواريخ أثبتت الأجيال الجديدة منها كفاءة في تخطي منظومات العدو الدفاعية.

تلك الصواريخ التي كانت ترصد بمجرد إطلاقها (ردار قاعدة العديد بقطر, كانت لديه القدرة على كشف أي إطلاق في محيط 5000 كم-خمسة أضعاف المسافة بين الإسكندرية وكوم أمبو -, وهو ما دمرته إيران في هجماتها الأولى بجانب ردار القاعدة المركزية للأسطول الخامس الأمريكي في البحرين, وهو مادمر أيضا).

وتسقط أو يتم إنباء الكيان الغاصب ومن ثم تنشيط دفاعاته الجوية.

لم يكن لدى إيران أي اختيارت, ولا يمكن لدولة سلاح الردع الأول والأهم لديها هو الصواريخ والمسيرات, أن تتغاضى عن ضرب تلك الأهداف, سيكون ذلك من قبيل العته العسكري.

استهدفت إيران قواعد عسكرية, وردارات عسكرية ومدنية في مطارات حربية ومدنية, ومباني تبين لاحقا أنها مقرات إستخباراتية للموساد والسي أي إيه, وبدائل لمراكز قيادة.

وهو أمر لا أفهم الجدال فيه, أو الدفع بالخسائر المدنية (منذ بداية الحرب هناك 9 مدنيين قتلى في الخليج) وهو رقم خسائر متواضع جدا, فأكثر الدول تضررا هي السعودية بقتيلين والكويت بين 2 إلى1 والباقي فرد واحد على باق الدول..

نحن في حرب, لا أدري كيف لا يستوعب أغلبنا الأمر, وبعد قليل سندخل اقتصاد حرب, والخسائر البشرية في الحروب هو أمر حتمي, إلا إن كان أحد الجيشين هو جيش من الملائكة.

….

عودة إلى البدايات, دعونا نتذكر أن إيران هي الطرف المعتدى عليه, وهي من وقع عليه جرائم حرب منذ الدقائق الأولى(مذبحة مدرسة البنات, واغتيال القائد الأعلى) وهي من أُعتدي على سيادتها واحترامها, وأنها تدفع ثمن دعمها لحركات المقاومة, والثمن باهظ في الثروة البشرية والعلمية والعسكرية الخ.

إيران لم تبدأ أي عدوان, إيران تعاقب الآن, لاصطفافها ضد الصهاينة, لا لأنهم شيعة, ولا لأنهم قامعي حقوق وحريات, ولا لنواياها التوسعية ولا لأي شيئ أخر, فقط لكونها ضد الصهاينة وتوسعات أمريكا الاستعمارية, وعلى الرغم من أن التراب إستوطن هذا المفهوم, وضربه العفن, لكن هذه هي الحقيقة المعلنة من المعتدي والمعتدى عليه.

………

في بداية الضربات الإيرانية للخليج, تعالت أصوات مهاجمة, تحت دعوى أن الدول الخليجية(خاصة السعودية والإمارات) أعلنوا رفضهم لإستخدام مجالهم الجوي وأراضيهم لإنطلاق هجمات على إيران, وهو أمر مخادع(نشرت القيادة المركزية الأمريكية على تويتر أنها إستخدمت قواعدها العسكرية في السعودية لمهاجمة إيران صراحة, مكذبة تصريحات بن سلمان)

لم يكن هذا الكذب البواح فقط, بل نشرت الواشنطن بوست في أول يوم للحرب على إيران, تقريرا يؤكد أن هناك صوتين ألحا على ترامب ببدأ الضربات, نتنياهو والأخر هو بن سلمان.

لكن هذا غير كاف بالطبع للمتباكين على الأرواح الإنسانية المهدرة.

أسلفت أن الخطر الأكبر للقواعد الأمريكية, هي منظومة التنبأ لديها, وهي التي أفشلت هجمات إيرانية كثيرة, فالأمر كمن يقول لك لن أهاجم بيتك(رغم أنه يهاجمني ويسمح للأعداء بإستخدام أرضي في الهجمات, ويكذب, ويُفضح, لكنه يستمر في التباكي), لكن سأدع الأعداء يتصنتون عليه ويراقبون تحركاته, ويستهدفوها.

…..

الخنق الاقتصادي.

أ ب الحروب, هي التضييق إقتصاديا وتكبيد العدو نزيف خسائر عالي, وذلك يأتي باستنفاده المباشر, وبشكل غير مباشر تجفيف منابع تمويله, عبر إيقاف تدفق الطاقة من داعم العدو الأكبر وهم دول الخليج مجتمعة.

وهي الحرب

الصديق لابد أن يقدم أوراق إعتماده, والعدو قدم إعتماده.

ولابد من إيجاع العدو, بكل الأشكال الممكنة, والنافدة, , وإن لم أشل إقتصادهم, وأنا أضعف منهم عسكريا؟ هل أكشف رأسي وأدعي عليهم؟

وأعود وأذكر هناك تسعة أشخاص موزعين على دول الخليج قتلوا من هجمات إيرانية, 9 فقط, ونحن في حالة الحرب, وأينما وجد العدو, لابد أن يضرب… نحن في حرب.

وضرب إيران لمصافي نفط سعودية(رغم نفي إيران, وصمت السعودية فيما بعد) هو ضرورة, وليس مفاجئ أو غير متوقع..

بل ضرب إيران لكل منشئات إنتاج النفط والغاز الخليجي هو ضرورة, إلى أن يتخلصوا من القواعد العسكرية الأمريكية(سيسأل أحد ومن يحميهم, أحب أن أذكرهم بمعاهدات الدفاع العربية المشتركة, والمركونة في نيش الجامعة العربية في وسط البلد)

لكن وليعذرني القارئ, هل يتذكر أحد تاريخ وكيفية قيام هذه الدول؟ هل تناسى الجميع فجأة ؟

…..

شيعة

“دول شيعة يا عم, عندهم أسابيع بيكربجوا بيها نفسهم, ومنهم اللي بيكربج بسيوف, دول اللي أعادوا مفهوم "الإستشهادي" للحرب المعاصرة في حربهم ضد العراق, مخهم شمال مخنا, دول لسه بيلطموا على خيانة أجداد أجداد أجدادهم للحسين, دول طلع منهم اللي طلع منهم الحشاشين(الإسماعيلة والتي خرج منها فيما بعد الحشاشين)….”

لا أفهم لما يتعامل البعض مع إسرائيل أو إيران على أنهم مثلنا؟ نحن أبناء الدِعة الدينية, مايلطمون عليه هم, نوزع فيه أرز باللبن, وعاشورا, يا مؤمن لدينا حلوى إسمها على إسم مصيبتهم(ومصيبتنا) العظمى

ننسى أحيانا أن الصهاينة صهياينة, كما أن الشيعة شيعة, والسلفيين سلفية,نحسبهم مثلنا نحن الأشاعرة الأقباط الأرذوثكس.

….

أعلم أن الخوف هو المحرك الرئيسي للكثيرين ممن ينددون بالهجمات الإيرانية, وأتفهم خوفهم وهو أمر طبيعي ومشروع, لكن الخوف مثل الغضب, لا يجعلنا نرى, ويتحكم في تقديراتنا للأمور, ويجعل الغشاوة هي من تقود.

الحرب كما أسلفت منذ 7 أكتوبر2023 هي حرب دينية, والحروب الدينية هي أقسى أنواع الحروب, وأكثرهم دموية, فالكل يرفع إسم الله, والكل يحارب ببركته, والكل يؤكد حقه الإلهي, ومثل هذه الحروب تكون وبالا على البشرية, وهي من النذر الكبرى للنهايات سواء كانت نهاية حضارات أو إمبراطوريات,دول و مصالح, لكن الأخطر الآن هو أنها يمكن أن تكون الخطوات الأخيرة لنهاية الإنسانية(وهو ياللسخرية ما يقولونه علنا بإستدعاء هرمجدون والمسيح والمسيخ والهيكل والبقر الأحمر, وكل مفردات نهاية الزمان)

كلنا سنموت في النهاية, هذه حرب وإن توقفت قريبا, ستعاودنا, وكلنا سنعاني, ولن ينجو أحد منا, إلا بالرحمة(أسلفت مقال من شهر عن هذا) لا شيئ غير الرحمة.

وقبل أن ينتهي كل شيئ, ويصبح الإنترنت من النوستالجيا, والماء الذي يجري في أنابيب حتى منازلنا, حلم قديم, يرجى التوقف وتذكر أن القاعدة الأولى لدليل المسافر عبر المجرات هي "لا تهلع".













Comments

Popular posts from this blog

معارضه يا ولاد الكلب

لم أعد أحب الشياطين

ابو اسلام في المنزل+شوية كلام