طيور
أمس ولى.
صغيرا, كانت أمي مثل كل الأمهات, عندما تشتري لي ملابس, أو حذاء, تختارها أوسع نمرة أو إثنتين, لأني كنت أنمو بسرعة, وحتى تلك الملابس الأوسع, لم تكمل معي العام, فإما تصبح أقصر وأضيق, أو تتمزق بعد شهرين في حالة الحذاء.
…...
“قال لي يا أم رشر رشر حرير شنكاله أحمر, والشعر خيلي سواده ليلي طويل مضفر"
أحببت تلك الأغنية منذ أن صدرت, هي الأغنية الوحيدة التي أحبها بصدق لأنغام, لم أعرف وقتها أنها كلمات عصام عبدالله رحمه الله, عرفت فيما بعد عندما وجدت تشابه في روحها مع أغنية الطول واللون والحرية لمنير, أغلب الأغاني التي أحبها في تلك الفترة خارج منير, عرفت أنها لعصام.
عصام بالنسبة لي في مكانة حسين البرغوثي, الإثنين ممسوسين, والإثنين أتى بمالم يأت به أحد, في تكوين الجملة الشعرية, وإنسيابية الأفكار المرمزة داخل المعنى البسيط الواضح.
……
عندما أشتري ملابس, لا أبحث عن المقاس, بل ما يعجبني شكله أو فكرته, إن كان أضيق فأخبر نفسي أني قريبا سأعمل على خفض وزني وسيناسبني وقتها, وإن كان أوسع, أُمني نفسا أن يوما سأمارس الرياضة, وسيصبح مناسبا وقتها.
…….
"والقُصة حاردة على حواجب م اللي تسحر, خايله لحديت فروق راسك يا عيوقية"
كل كلمة من مكان ما, علمت من صديق لديه مشروع منذ أكثر من 10 سنوات عن عصام, أنه كان مهوس بجمع اللهجات المصرية المختلفة, وفهمها ودراستها, مشكلا جمله من أكثر من لهجة, مكونا للشعر عالما مختلفا عن المألوف, خارجا عن المتعارف عليه, في نفس الوقت منتميا لجوهر هذا الوطن في إختلافه و تباينه.
………
لا أفكر كثيرا في الآن, مشكلتي المزمنة التي لا تنتهي, حاولت كثيرا أن أنظر إلى ما تحت قدمي, ولا أتطلع إلى الأمام, أو إلى السماء أو أعماق الأرض, لكني لا أستطع كبح جماح عقلي من الإنتشار في الزمان والمكان, لا أشعر بالإنتماء إلى اللحظة, إلا أثناء الكتابة, عندما أختار شيئ, أختاره لما سيكونه, لا لما ماهو عليه الآن, ب أمنية دفينة, أني سأشهد لحظات تحول اليرقة إلى فراشة, متناسيا أن بمجرد التحول, ستطير الفراشة, ولن تظل في مكانها.
…..
“وإن كان علي, ما ألبس سوى اللي يداري همي دا أنا وحدانية ما مسح دموعي غير طرف كمي… مال الحديت ده بس بيا"
بسبب هذه الأغنية تكون لدي إحساس إن عصام مثلي الميول, لم أفكر في لحظة قبل أن أعرف كاتب الأغنية, أنها لرجل, أعتقدت وقتها أنها لشاعرة على غرار كوثر مصطفى التي كتبت مجموعة من أحلى أغاني منير, وعندما علمت أن الكاتب رجل, توقعت أنه مثلي, صعب جدا أن يكتب رجل مغاير مثل هذه الكلمات, لكن صديقي أكد لي أنه مغاير, وأنه كان محبا للنساء لدرجة إعتباره زير نساء, وهو ما زاد إعجابي بالرجل, كيف لرجل أن يكتب مثل هذه الكلمات, كتب الكثير من الرجال كلمات لمطربات, لكن كان يكفي في أغلبها أن تغير الضمائر المؤنثة لمذكرة, فيستقيم المعنى, لكن هنا لن يستقيم المعنى .
….
“أنا اللي بالأمر المحال إغتوى...شفت القمر نطيت لفوق في الهوا...طلته ماطلتهوش أنا إيه يهمني….وليه مادام قلبي بالنشوة إرتوى"
عندما قرأت الرباعيات للمرة الأولى, كنت في الشهادة الإعدادية, وبسبب مكتبة الأسرة, الحسنة الأكبر لسوزان مبارك, إستطعت إمتلاك مجموعات شعرية لبيرم وجاهين وغيرهما, لكن هذه الرباعية لم أجد مثلها وصفا لحالي, دائما مغتوي بالمحال, ولا أرضى بالممكن, منذ طفولتي وأنا أبحث عن ماوراء السحب, لا أرى ما يمكن إمساكه, ولا أرغب فيه, أحاول دائما الطيران, أو السير مغمضا العينين, محاولا كسر قوانين الطبيعة, حتى لو كان الثمن هو خسارة كل شيئ, فما معنى أن أقبل بالممكن إن كان المحال هو ما أسعى إليه, وإن لم أبلغه فيكفيني أني ذقت ولو من بعيد نشوة المحال.
…….
“قالي إيديك معالق زان زانها العنادي فوق المقصب الرومية وتحته وادي, حطه المشخلع والكردان على حسن هادي...شوفوا الجدعان اللتاتين اللي حواليا"
تركيبة الأبيات مستحيلة, فهو يتغزل في أصابع يديها, ويمضي في الغزل الحسي, إلى نهايته, بدون أن يمسكه أحد, قام بالغواية المستحيل إمساكها, ومضى كأنه لم يقل شيئ, لم أنبهر بتركيبات شاعر غنائي في تلك الفترة مثله.
……..
لم أفهم يوما من يقتنون طيور للزينة, أو يصطادون الفراشات, تعاركت كثيرا مع أصدقائي طفلا, رافضا أن يقوموا باصطياد عصفورة أو فراشة, فالطيور والفراشات مكانهم السماء, يتحدون الجاذبية, ونتعلم منهم أن القوانين خلقت لتكسر, والسائد ساد لقبول الناس له, فإن رفضوه إنتهى, المعنى في الأشياء ليس في الإمتلاك, بل في جوهرها, أن ترى, تتعلم, تحلم يوما أن ينشق ظهرك عن جناحات, تحلق بها خارج المألوف والمعروف, أن تفهم ما لايفهم, وتتحدى ما أتفق عليه أباؤك الأولين, أن تختلف إختياراتك وإن كان بعضها خطأ, لكن الخطأ يمكن أن يُصلح إن تعلمت المراقبة, وصبرت عليها.
الطيور والفراشات, معناها ليس في جمالها الخارجي, ولا صوتها, معناها عندي في قدرتها على مخالفة طبيعة ولدنا وفي أعناقنا طوق عبوديتنا لعُرفها, فهم المعنى الأكبر لإمكانية كسر ذلك, ومن لم يكسر منهم ذلك تحول إلى دجاجة, نعامة, أو حتى بطريق.
…….
“في يوم صحيت شاعر براحة وصفا, الهم زال والحزن راح وأختفى, خدني العجب وسئلت روحي سؤال, أنا مت ولا وصلت للفلسفة"
لم يكن الموت يوما ما عدوا لي, أو شيئ كريه أخاف منه, بل صديقا قديما, تعارفنا وتعاركنا, اختلفنا وتآلفنا, وأصبح بيننا عشرة, ودين, وجمائل لا تنتهي.
الموت صديق للحزن, والحزن تعريف لغير المنتمي, ولا يوجد غير منتمي مثل الطيور, فالكروان يغرد في حزن, ينادي حبيبة غادرته أنه لها, الطيور لا حدود لهم, لا أرض لا سماء, لا برد لا حر, لاشيئ, منطلقين إلى أفق لا يهدفون للوصول إليه, بل مجرد الطيران هو الهدف, هذا ما أراه وإن لم يكن حقيقة, فما الحقيقة إن لم تتناغم مع جوهرك, فما تناغم من الأشياء هو الحقيقة, وما نشز فهو وهم, نضيع أعمارنا في القبول به .
……
“قالي يا عجبانة الود ودي أنقشك حنة, يا أم الجبين الأبيض يا عايقة, يا تمر حنة,بِكرة عرب خلي البنادره مريحنها… يا خويا صادق بس فوتني باللي بيا"
الود ودي أنقشك حنة, لم أتخلص يوما من أثر تلك الجملة علي, من جمل الغزل القليلة التي أستعمرت رأسي, ولم تغادره أبدا, في مصاف جمل ك "وانت يا سامعة وشايفة أحلامي فوق الوصف, من غير ما أقول إنت عارفه فاهمه اللي فيه بالحرف" التي كتبتها على جدران حائط غرفتي صغيرا.
أحب جمل الغزل الغير معتادة, الحاملة في طياتها الكثير من الخيال,الهاربة من المألوف والمعتاد , وتُحمل على محامل مختلفة, يمكن أن تراها عذرية, ويمكن أن تغوص في حسيتها, ويكفي أن تتذوقها لتعرف أن من كتبها, إمتلك أجنحة, تعدى بها ما تآلف عليه الناس.
…….
لكني لا أملك سوى نفسي, وكلمات قليلة, أمضي بها في صحراء لا تنتهي, أنقش على جدران معادة, معان لا تسمع, وإن سمعت لا تدرك, أرى بعيني ما لا يراه غيري, لا خيرا ولا شرا, بل نور وظلمة, لكن الطرقات ملئى بالمجاذيب, الذين ينادون من لا يسمعون, وينشدون لمن لا يشعرون…
لا أملك سوى معان غير كافية لسواي, جمل غير مكتملة لأحد, ورغبة محمومة في الطيران, إلى اللامكان, حيث لا شيئ, لا برد ولا حرور, لا شمس ولا ظل, لا مد ولا جذر, فقط المعنى في جوهره, والأصل في جذره.
حيث تجتمع الفصول, فتتلاشى, وتتحد الألوان فلا ترى, وتختفي كل المشاعر والمخاوف والأوجاع, حيث اللانهائي هو الصفر, والصفر هو كل شيئ.
لا أملك سوى جذع شجرة أتوكأ عليه, وحلم كلما أقتربت إبتعد, وبومة تطمئني أن الظلمة ليست مخيفة لمن بدل عينيه وأذنه بقلبه, فسمع ورأى بجوهره, ولم يعد يهتم سوى بالآن.
“لا تطق هما بأمسِ أو غدِ, فأمس ولى, وغدِ لم يولدِ"
“وإن كان علي, ما ألبس إلا اللي يداري همي"
….
Comments