المولى
أصلح لي قلبي
"أنا مدينة العلم وعلي باباها"
كلما أبتعدت في الكتابة عنه, ألح علي قلبي بالكتابة,لم أجد شيئ أحبه إلا أحببته, ولا كرهه إلا كرهته, وصدق سيدي النبي عندما قال "أنا مدينة العلم وعلي باباها" فهو باب الحيارى وساقي التائهين, مُعلم الضالين, وقابل العاصيين, هو البشري, بلا وحي ولا رسالة, هو السائر بنور ربه, وهو العلامة, هي الحبيب إن صد عنك الأحبه, وهو القريب إن تباعد عنك الناس.
هو السيد البشري المجبتى, من لانت له القلوب إن يبست, و سال له الدمع, إن ذُكر.
أبو تراب, الذي سب على المنابر, ومنعت روايته, ورفض مصحفه, وقتلت زوجته, إبنة نبيه, ويتم أولاده, وشنع عليه وأنكرته قلوبا كانت له محبه.
قال سيدي "ما جاع فقير إلا بما متع به غني" وفي قول أخر "ما أترف مترف إلا بما حرم منه جائع", كأنه يرى منذ أكثر 1450 عاما, ما ينكره كل مترف.
……
إن نظرنا إلى العالم بلونين نخسر, وإن أخذنا العلم من بوتقة واحدة نفسد, وإن لم يتسع طيف الألوان في أعيننا, نصبح عميا لا نفرق بين لون الشجر والرماد, وإن ضاق إستيعاب أذننا للأصوات, فمواء القطة كزئير الأسد.
لكن إن تشابهت الأصوات والألوان فكيف تميز بين الصالح والطالح؟
…..
إن مضيت في الظلمة, لا تعتمد على عينك, لا تحاول التدقيق في الأشياء حولك, فلن ترى, وإن على الضجيج, فلن يفيدك إرهاف إذنك, فلن تسمع.
لكن إعتمد على قلبك, وهيئه للحظة الظلمة, فهو من ينزل عليه رحمة ربك وهداه, وهو الدليل إن غابت الأدلة, هو مستقبل العلامات إن غاب المعلم.
….
“إلا من آتى الله بقلب سليم"
سليم في اللغة تعني البارئ من المرض, وسمي من نجى من السم, سليم, لأنه سلم من السم.
ف سليم لا تعني الصحيح, بل تعني الناجي من المرض, من لدغات العقارب والثعابين, من حلت عليه الظلمة, ونجى.
…...
إبراهيم هو العلامة, هو من بسيرته نتعلم كيف نكون, وأكثر من ذكر القلب معه, وصفا وقولا "ليطئمن قلبي, آتى الله بقلب سليم, جاء ربه بقلب سليم" وذكر القلب مرة واحدة مع النبي "لو كنت فظا غليظ القلب".
فقلب إبراهيم هو القبلة, وهو الذي شُفيَ من موته, وهو غايته وتعريف الله له.
لم يرى إبراهيم بعينه عندما نظر للنجوم, ولا الشمس ولا القمر ولا الكوكب, بل قلبه كان عينه, لذلك قالك إني سقيم, فالعين لا تسقم بل تمرض, والقلب من يصيبه السقام.
إبراهيم أغمض عينه عن كل المتشابهات, والمختلطات, أصم أذنيه عن دعاء أبيه وقومه, ومضى بقلبه في النار, فأصبحت بردا وسلاما عليه, ولم يمسسه السوء.
إبراهيم من مر بكل الإختبارات حتى أخر حياته, أختبر في منامه, وصدق منامه, رغم أن آسحق أشار إليه بالتفرقة "يا آبت إفعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين" بين أمر الله و أضغاث المنام, لم يؤمره الله بأن يقتل إبنه, بل أُدخل عليه الأمر, فتدخل الله.
“...أولم تؤمن ؟ قال بلى لكن ليطمئن قلبي..” بعد أن مر من النار, ونجى من القوم, صارعه قلبه, ف طلب من ربه الإطمئنان.
عندما يحدثونا عن أنبياء الله, يرفعونهم لمصاف الملائكة, رغم أنهم بشر, ورغم أن كبيرهم وخليل الله أمضى عمره كله "أواه منيب" والإنابة هي العودة من الخطأ.
صراع إبراهيم مع قلبه لم يتوقف, لكنه تعلم حين يشتد به البلاء, أن يثق في مقلب القلوب, ومحركه, بأنه سيثبت قلبه, وينجيه, فهو الناج الأول والأكبر.
أغمض عينيك, فما رؤية الوهم حق, وأصبر لحكم ربك إنك بأعيننا.
…..
وأصلح لي فؤادي الذي به أثبت
“...كذلك لنثبت به فؤادك…” “ما كذب الفؤاد ما رأى" “وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك….” “وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين".
الفؤاد ليس بعضو كالمخ أو الذراع, بل هو العملية الشعورية التي ندرك بها الأمور, فالفؤاد يتسقبل الرؤية والسمع والمشاعر والمنطق, من العين والأذن والقلب والدماغ والأمعاء, وإن جزع فرغ, فالخوف والغضب, يفرغ أفئدتنا ويجعلها تضطرب.
نحن نستقبل بأعضاءنا, ونعالج ما نستقبله بأدمغتنا, ونشعر به بقلوبنا وأمعاءنا, وندرك ونسنتج بفؤادنا, إن صلح الفؤاد, صلح كل شيئ.
إن صح المستقبل وفسد المستنتج فكل شيئ فاسد, لكن يمكن أن يفسد المستقبل, ويصح المستنتج, فيعوض ما فسد.
……
عندما تزايدت الهجمات على الرسول, وتنوعت الإتهامات له, بأنه يعلمه بشر, أو أساطير الأولين أكتتبها, أو معلم مجنون, واساه الله بتثبيت فؤاده, كي لا يجزع ويشك ويضطرب.
“كذلك لنثبت فؤادك"
سواء نزل القرآن مكتوبا مرة واحدة, أو على مرات عديدة, فالأهم هو الإنزال على الفؤاد.
آيات كثيرة نقرأها لأعوام متتالية, نمر عليها مرور الكرام, ويوما ما نفهم آية, كنا أعتقدنا أننا فاهمناها مسبقا, فنجد معنى لم يخطر لنا على بال, وكأننا أول مرة نقرأها, نندهش من ذلك وكيف يحدث, هذه العملية تسمى الإنزال.
أن ينزل الله على قلوبنا القرآن, فنرى آية للمرة الأولى, فنندهش كيف يحدث هذا, لقد مررنا عليها ألاف مرات, ولم نفهم ذلك, يشككنا الشيطان ونفسنا فيما فهمناه, منا من يطمئن ومنا من ينصرف.
…..
وأصلح لي عقلي الذي به أشقى
من المفارقات أن كلمة عقل في اللغة لا تعني الدماغ, بل هي صفة كالحكمة, وتعني مجردة الحبسة, ومن ذلك العقل وهو الحابس عن ذميم القول والفعل, وقال الخليل العقل هو نقيض الجهل,ويقال عقل يعقل عقلا, إذا عرف ما كان يجهله من قبل.
فالعقل ليس ما أصطلحنا عليه بأنه عضو, فلا وجود لعضو في اللغة الأولى بهذا المعنى, بل هو المعرفة.
لذلك قال الله " أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها..”
فهنا الله يخبرنا أن وظيفة القلب هي المعرفة.
أختلف مع الشحرورين في تعريفهم للقلب أنه الدماغ, مستشهدين بآية "...القلوب التي في الصدور" وذاهبين أن صدر الشيئ هو مقدمته, ومقدمة الإنسان رأسه, بالتالي القلب الذي في الصدر, هو الدماغ الذي في رأسه.
وأرى أن القلب هو ما أتفق عليه الناس, وزادنا العلم مؤخرا أن هناك خلايا عصبية في كل من القلب والأمعاء, ويشاركون الدماغ, بل أن مادة مثل السيروتينن والمسؤولة عن الثبات والهدوء والتركيز, تركيزها بأكثر من 80 بالمئة في الأمعاء.
فإن صلحت عملية المعرفة, صلح المستخلص منها, وإن فسدت, فسد ما فهمته وإستقبلته.
……..
أيها الساقي أروني ولا تذرني عطشان
أختلف الشيعة والسنة على دور علي عند الحوض يوم القيامة, فذهب السنة في أحاديث رواها الطبراني وإبن كثير, أن علي يزود عن الحوض يوم القيامة, وذهب الشيعة أن علي هو الساقي, وأنا أميل لرواية الشيعة, لأسباب عديدة.
سيدي النبي دائما هو الأصل, فهو مدينة العلم, وعلي الباب, وهو موسى وعلي هارون, هو النبي وعلي الخليفة, وكل هذا من أحاديث قوية وحسنة عند السنة, وإن مددنا الخط على إستقامته فيكون النبي هو صاحب الحوض, وعلي هو من يسقي .
ولمن لا يعلم فقد تعددت الروايات عن الحوض أختار منها الرواية التالية :”أنا فرطكم على الحوض وليختلجن رجال دوني, فأقول يارب أصحابي, فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وهو حديث صحيح على مقياس أهل الحديث, وأخرجه البخاري ومسلم.
فإن أخذنا رواية أن علي هو الزائد عن الحوض, فهو أمر منطقي ويصح, لأنه الشاهد الشهيد على الأمة بعد النبي, لكن ذلك يفتح أبوابا كثيرة يمكن أن أفتحها يوما ما, ما أؤمن به أنا إن صحت فكرة الحوض, وكان أمرا ماديا لا رمزيا, فاختياري هو أن علي الساقي.
…..
أحب من الأسماء ما على, ف علي وعلياء وعالية هم الأقرب لقلبي, وكان من المفترض أن يكون إسم إبنتي لولا تدخل أمي, فلا فتى إلا علي, ولا رجل إلا علي, ولا حكيم إلا علي, أينما وجد الصواب وجد علي, وأينما وجد الباطل لا تجده.
فهو هارون, وهارون ونسله عند اليهود, هم علماء الدين, وهم حفظة تابوت العهد, فهارون من ذرية إبراهيم لا إسرائيل, وسأفصل في ذلك إن شاء الله, يوما ما.
……
تابوت عهد وولي و إمام.. من نسل هاشم وهارون
عندما أستبقى سيدنا النبي علي على المدينة, في غزوة تبوك, حزن علي, وأشاع المرجفين أن النبي قد أنقلب عليه, ولم يعد يأمنه على قيادة الجيش, وأنه يتربص بعلي كما تربص موسى بهارون(إنظر إتهام بني إسرائيل لموسى بقتل أخيه, وهو ما أوجزه القرآن على لسان موسى بقوله"إذا قال موسى لقومه ياقوم لما تأذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم…” )
عندها ذهب إليه النبي وقال له النبي ملاطفا إياها" أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى" يذهب البعض هنا أنه يعني إستخلاف موسى لهارون عندما ذهب لميعاد ربه, لكن النبي كان ذاهبا للحرب لا لربه, فلاتصح المقاربة.
لم تكن تلك المرة الأولى التي يقول فيها النبي لعلي ذلك, بل قال مايشبهها في بداية البعثة, عندما أنزل الله آيته "وانذر عشيرتك الأقربين" فأولم لهم النبي مرتين لم يأتوا في الأولى وجاءوا في الثانية, وقبل أن ينصرفوا عرض عليهم الدين, وقال لهم "من يؤاخيني ويؤازرني ويكون وليي ووصيي من بعدي وخليفتي في أخلي ويقضي دين" فقالها ثلاث, ولم يجبه في الثلاث مرات سوى علي.
……
“...واتخذ الله إبراهيم خليلا..” ورغم اتخاذ الله إبراهيم خليلا, أخبرنا عن إنابة إبراهيم أكثر من مره, أخر مرتين من ثلاث كانتا عندما بشر بالغلام فقال "أبشرتموني على أن مسني الكبر فبما تبشرون" وفي نفس الزيارة "فلما ذهب عن إبراهيم الورع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط" وهنا أردف الله في الآية التاليه لها"إن إبراهيم لحليم أواه منيب".
إن نظرنا لمواقف إبراهيم حتى في شيخوخته, هي إمتداد لما كان عليه فتى, لم يتوقف إبراهيم يوما عن التفكير والتشكيك والمراوحة بين الإطمءنان والقلق, بين اليقين والتساؤل, أغلب آيات التساؤل من الأنبياء, ستجدها مع إبراهيم, فهو المتساؤل الأكبر والمفكر الأهم في الكتاب, وهو من طلب منا الله أن نمضي على طريقه, والوحيد الذي أعتبره أبانا.
……
“من كنت مولاه, فعلي مولاه"
قالها النبي بعد عودته من خطبة الوداع, يتفق السنة والشيعة على الحديث, لا يختلفون على لفظه, بينما يختلفون على معناه, فيذهب بعد السنة أن الولاية لعلي هي ولاية دينية وعلمية, ويزيد الشيعة أنها أيضا ولاية سلطوية, وأتفق هنا مع رأي السنة, لأسباب متعددة, يختلف فيها السنة معي, أهمها أن النبي لم يكن ملكا وإن صوروا لنا ذلك, ثانيهم أن هارون من ضربه النبي مثالا لعلي كان أمين الشريعة لا القيادة, بجانب حديث باب مدينة العلم, وساقي الحوض الخ, كلهم يثبون ذلك المعنى.
…..
“ياعلي لا يحبك إلا مؤمن, ولا يبغضك إلا منافق"
يتفق أيضا السنة والشيعة على ذلك, لكن البغض في القلب لا اللسان, فلم يعلن يصرح أحد ببغض علي والتقليل منه من كبار أهل السنة, إلا إبن تيمية(لن أخوض في ذلك), فلن يخبرك أحد من الوهابية أنهم يبغضوه, لكن سينتقصون من قدره, ويعظمون أخرين عليه, بل ينكر بعضهم أسبقيته في الإيمان بعد خديجة, بدعوى أنه كان طفلا ولا يصح إسلامه, ويقدمون عليه أبو بكر في الأسبقية, بل يقدم أخرون عليه عمر وعثمان في القدر.
ف علي عند المسلمين سنة وشيعة هو فرقان الإيمان والكفر, إن أحبه قلبك قبل عقلك, فإطمئن لإيمانك وإن كنت عاص, وإن نفر منه قلبه, فحاسب نفسك.
…..
وعلمني ولا تذرني فردا وأنت أرحم الراحمين.
صلاة وسلام على سيدي النبي الأمي وعلى آله والرضوان على من صدق وثبت من صحابته الكرام.
Comments