كورونا والمعنى 

 كتبت ونشرت إبريل 2020



غضب الله على البشر الكافرين"

جندي الله"

الله يعذب بالكورونا الضالين"

أكثر ما يزعجني, هي تلك العبارات التي يرددها من يعتبرون أنفسهم مؤمنين, وأقصد بالمؤمنين ليس أتباع الرسالة المحمدية وفقط, بل أتباع الديانات الأخرى كذلك, سواء إبراهيمية كانت أو شرقية…

سنجد رجال دين, وأتباع لهم في كل الديانات الآن يقولون نفس العبارات والجمل, إن لم يكن جهرا, فسِرا.

كل من ملئ الغضب قلبه, يستخدم ذلك الفيرس, للتنفيس عن ذلك الغضب, وإثبات حجية رأيه, يندلع الحقد والرغبة في التشفي, من قلوبهم, وتلوكه ألسنتهم, مؤلين آيات الله حسب أهوائهم ورغباتهم, يتعاملون مع الله الغفور الرحيم, معاملة القائد العسكري المهزوم, الذي يوزع غضبه على أتباعه الذي عصوا أوامره, فهزموا.

متناسين رحمة الله وحبه, متناسين أنه الودود اللطيف, وأن كان هناك غضب من الله على عباده(عباده هنا يقصد بها الكون أجمع بكل كائناته عاقلة أو غير, جامدة أو حية, لا أتباع دين أو مذهب أو طائفة معينة)فبسبب قسوتهم وتجبرهم وتكبرهم على بعضهم البعض, لا على الحق سبحانه.

…….

فلولا إذا جائهم بأسنا تضرعوا, ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ماكانوا يعملون"

الأنعام 43

ولقد أخذناهم بالعذاب, فما استكانوا لربهم, وما يتضرعون" المؤمنون 76

إن سلمنا بأن الجائحة العالمية التي تضرب أرجاء الأرض الآن هي غضب الله على عباده, فذلك الغضب لم ينزل علينا بسبب أننا لا نقيم الشعائر من صلاة وصوم الخ, فالمساجد والكنائس والمعابد كانت تمتلئ بروادها, والصيام يقيمه الصائمون, والزكاة والأعشار وخلافهما يخرجهم المتدينون, والحجيج يتدفقون من كل فج عميق, على المزارات الدينية, كعبة مشرفة كانت أو قدس, هيكل أو حائط, حتى الهندوس والبوذيين…

فأغلب أتباع الديانات يقيمون شعائرهم, كما جائت في نصوصهم المقدسة, فلما الغضب إذن, وإن كان غضبا, فلما يقع على الجميع, ما الذي أجمع الناس على تركه ؟ كي يغضب عليهم الغفور الرحيم ؟

إن أخذنا الآيات السابقة, و بحثنا في التنزيل الحكيم عن "ض ر ع" الـآتيه منها كلمة تضرع, ستجدها آتيه في سياق التكبر والغفلة المقرون بالعذاب.

لكن ما معنى الكلمة ؟

“(ضرع) الضاد والراء والعين, أصل صحيح يدل على لين في الشئ, من ذلك ضرع الرجل ضراعة, إذا ذل,ورجل ضرع:ضعيف…

ومن الباب ضرع الشاه وغيره, سمي بذلك لما فيه من لين. “

كتاب مقاييس اللغة لإبن فارس.

فالضراعة من الذل, والذل هنا من اللين.

فالله سبحانه يطلب من عباده, حين يقع الغضب والعذاب أن يتضرعوا له, أي أن يتذللوا له ويلينوا.

هنا يمكن أن تؤخذ لمعنى أن نقيم الصلوات, وندعوا الله تعالى بذِلة ومسكنة, كي يخفف ويزيح عنا ما أبتلانا به..

لكن الناس تقيم الصلاوات وتدعوا جهرا وسرا, فلما هو مستمر معنا ؟

ولِمَّ لم تفيد تلك الصلاوات والعبادات ؟

الجواب بكل بساطة, لأننا أصبحنا نتعامل مع آيات الله بالظاهر, نتعامل معها على أنها طقوس, نقيم الصلاة كطقس نأخذ عليه أجر, لا كمعنى, نصوم لنفس الشيئ, نزكي ونحج ونشهد بالوحدانية وبالرسالة المحمدية, كي نأخذ الأجر والثواب, أما المعنى والروح, فلا نقيم لهم الوزن الكثير…

يتعامل أغلب أتباع الديانات مع الله عز وجل, كتاجر, يعطونه نصيبه عباده, وينتظرون نصيبهم أجرا.


فحين أن كل العبادات والشعائر أن لم تقام بداخلنا, إن لم نقيمها بأفئدتنا, إن لم يكن معناها يحركنا, فما فائدتها…

……….

دعونا نعود إلى الأصل قبل أن نعود الى الضراعة مرة أخرى.

هل يحتاج الله إلى عبادتنا ؟

إجابتي الشخصية هي لا, نحن من يحتاج إلى تلك العبادة و معناها, فالله لديه ملائكة شداد, يعبدونه ويسبحونه ليل نهار, ويفعلون ما يؤمرون.

ولديه الشيطان, الذي يعصاه ليل نهار, ولا يفعل هو وأتباعه ما أمرهم بهم.

فلديه العابدون, والعاصون…

ولا يحتاج إلى عبادتنا.

سأعود للأسف للبديهيات التي دفناها في الطقوس.

لمَّ نحتاج إلى العبادات ؟


لأنها الصراط المستقيم, فمن الصلاة نتعلم الصلة بالخالق,نتعلم حينما نخشع, ونصفي أذهاننا من كل الأفكار, ونسلم أرواحنا قبل أجسادنا للودود اللطيف, كيف نتصل بأنفسنا أولا, ومن ثَمَ بباقي مخلوقاته, نتعلم أن الصمت ليس باللسان, بل الصمت الأهم هو صمت العقل والأفكار.

حينما نتعلم كيف نتصل بالله, نتعلم كيف نتصل بالكون بأكمله.

الصلاة تدريب للعقل كي يصمت, وللروح كي تتصل.

لمَّ نزكي ؟

لنتعلم التخلي عن المادة, ونتصل بالبشر, المحتاج والفقير والمريض, كي نعلم أن لا دوام لمال أو لصحة,نتعلم أن نرحم, وأن نلين بين أيدي بعض, ونتعلم أننا لا نملك ما نملكه, وأن المادة زائلة, وأن كل حال إلى زوال, ولا شيئ يدوم.

لمَّ نصوم ؟

كي نطهر أرواحنا وأنفسنا, كي نتعلم كيف نتحكم بالشهوات, وقبلهم كيف نتحكم في الغضب, فالغضب يفسد الصيام كما يفسده الماء.

كالشجر, حينما تمنع عنه الماء, تتمدد جذوره وتثبته وتزيد إتصاله بالأرض.


كل الأديان بإختلافها نصت على الشعائر السابقة, باختلاف المسميات, صلاة كانت أو تأمل, زكاة كانت أو عشور.

نصت على المعنى قبل الطقس, على إسم الله الباطن قبل الظاهر.

….

فلمَّ التضرع ؟

كي نتعلم ألا نكون قساة القلوب, فقاسي القلب متكبر, لا يلين بين أيدي أحد, قاسي القلب لا يرحم, فلن يستطيع أن يطلب الرحمة بصدق, إن كانت الرحمة ليست بداخله, فكيف يطلب من الله شيئ, لا يدركه ؟

طلب منا الله التضرع حين وقوع العذاب, كنتيجة, لا كسبب..

كي تضرع لابد أن تكون رحيما, وترحم غيرك, تسامح من أساء إليك,وتلين بين الناس وتقسط بينهم, والقسط أكبر من العدل, فالقسط لا يعني العدل, فاللغة العربية لا تعرف الترادف, القسط يعني أن تعدل بزيادة حق الناس عن حقك.

فإن وزنت للناس, فزد في ميزانهم, ,وإن أعطيت أجيرا حقه, فزد في أجرته.

فالرحمة هي السبيل الوحيد الذي نفعله كعامة, من غير العلماء والأطباء المنوط بهم العلاج وإيجاد اللقاح اللازم, كي نعبر من هذه الجائحة, أن نقسط ونرحم بعضنا بعضا, ونقسط ونرحم الحيوانات والأشجار والكوكب الذي جأر بالشكوى من أنانيتنا وتكبرنا وقسوتنا التي لا توجد بهذه في أي كائن أخر.

الله هو المطلق في الرحمة والحب, الله هو المعنى, الله الذي لم يعطينا إسمه, كي لا نعبد الإسم وننسى المعنى.

رب السموات والأرض ومابينهما, فأعبده وأصطبر لعبادته, هل تعلم له سَميا" مريم 65


 

Comments

Popular posts from this blog

عبد الكريم وحرية التفكير

معارضه يا ولاد الكلب

ابو اسلام