كورونا والمعنى:الضعف

كتبت ونشرت إبريل-مايو 2020



نسبت أن أكتب هذه الجمل في بداية مقالي الأول, فعذرا..

ما أكتبه هو في الأصل خطأ يحتمل أن يصادف صوابا داخلك..

وما أخطه هو لكي يقرأ فلا يخلو بالتأكيد من إدعاء..

وما أنا إلا أعمى يتتبع ظلال الضياء, عسى ألا يكون وهم.

……




كل إنسان يرى الله بمرآة ذاته, فالرحيم يرى الله رحيما, والغضوب يرى الله غضوبا, والحسي يرى الله حسيا…

أهدى الله لنا صفاته, كي نراه بمرايا ذواتنا, وغلب الرحمة والمغفرة, كي نصقل تلك المرايا بالرحمة والمغفرة, كي نغلب الرحمة داخلنا والمغفرة على ماساواهم, لأنه عز وجل

(وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا) الكهف 58

وهنا الدرس المهم, أن صبر الله يسير مع مغفرته ورحمته, لأن البشر متغيرين, ومن يكفر اليوم, يمكن أن يؤمن بالغد, ومن يؤمن اليوم, يمكن أن يكفر بالغد.

وأن مع المغفرة والرحمة التي نتعلمها, لابد أن نتعلم الصبر, الصبر على الآخرين والصبر على أنفسنا, فكل شيئ متغير, ولا شيئ ثابت, وأن كي نأكد الرحمة لابد من تثبيتها بالصبر…

فالصبر هو المحك الحقيقي لكل ما ندعيه, من رحمة أو مغفرة أو تحمل أو غيره..

أن نتعلمه, فالصبر من الفضائل التي تأتي بالتعلم والممارسة, فالرحمة موجودة بداخلنا ننكرها أو نظهرها, لكنها موجودة لدى أغلب البشر.

لكن الصبر هي فضيلة يفتقدها أغلب البشر, خاصة الذكور منهم.




……

في المقال السابق, قلت أن المغفرة والرحمة ليس من داخلنا إلى خارجنا, بل منا إلينا, وما البشر الذين نرحمهم أو نغفر لهم الا انعكاس لذواتنا, فمغفرتنا ورحمتنا لهم, ليست تفضلا عليهم, بل شفقة بنا نحن..

نحن مرايا متحركة لبعض, ننعكس في أعين وأرواح بعض, عندما نغضب يكون الغضب منا, وعندما نحزن يكون الحزن علينا, وما الأخر إلا سبب وليس الحقيقة.




نهرب من أنفسنا دائما, ولا نفهم لِمَ لا نستقر ؟ لم الحزن الدائم, والغضب الذي لا يتوقف, وينفجر بلا داع, لم الغليان الذي لا يتوقف, ولم الخوف الذي لا نستطيع ترجمته ؟

لم كل ذلك ؟

……..

لم أنشر كلمة منذعامين,وقبلهم سنوات نشرت بشكل متفرق, تلك الفترة فقدت فيها تماما قدرتي على التعبير,لا لعدم مقدرة, بل لعدم تصديق.

أعواما كثيرة مضت, كنت أمارس فيها فعل النشر بشبق, أحاول الإعلان عن أفكار تتلاعب في مخيلتي, أحلام تتراقص على لهيب تزيده الأحداث إشتعالا, كنت أحاول كثيرا, لم أيأس أبدا من المحاولة, ولم أتوقف عن الأحلام.

مضت علي أعواما كثيرة, حاربت فيها الإنكسار, تشبثت بكل ذرة صلبة داخلي, بكل أفكاري عن الذكورة والرجولة, الغير قابلة للكسر, أو التحطم, لم يكن الأمل بالنسبة لي سوى الوقود, الذي أستهلكته بضراوة.

رفض الإنكسار كان بالنسبة لي عقيدة, إيمان, تعريفي الشخصي لذاتي, ومصدر فخري الأساسي, والأهم.

لم أهتم أبدا بالنجاح أو الفشل, أحب النجاح بالطبع, لكن الأهم من الاثنين بالنسبة لي دائما, ألا أهزم, حتى وإن نُكِست كل الأعلام, وأعلن كل البشر الهزيمة, فأنا وبكل إعتزاز لا أنكسر, خوفي من الإنكسار كخوف باقي البشر من الموت, والمرض والفقر, ذلك المثلث الذي لم يعنيني في يوم من الأيام ولم أهتم بهم, تعرضت للموت كثيرا وسخرت منه, مرضت, وشفيت, لم أجد قوت يومي مرات عديدة, وضحكت في وجههم كثيرا, وهزئت منهم.




أقنعت نفسي كثيرا أني في احتياج لتلك اللحظة التي حدثوني وقرأت عنها كثيرا, تلك اللحظة التي تنقشع أمام عيني حقيقة العالم, وتنزاح عن كاهلي أوزاره.

عشت الوهم كثيرا إلى أن أدركت بكل بساطة,أن قبل أن أفهم, لا بد أن نقبل بشيئ بسيط, يسمى الإنكسار..

أن تستسلم تماما أمام تلك اللحظة, تتخلى عن قوتك الحقيقية والمدعاة, حوائط دفاعك اللا متناهية, أن تعترف ببساطة أنك ضعيف..

وتقبل الهزيمة حقا, لا بادعاء, فحتى الهزيمة هناك إدعاء فيها, منا نحن, قبل الاخرين, نحن من ندعي دائما, لا لأننا أي شيئ, سوى أننا ضعفاء غير قادرين على تصديق ضعفهم…




أدركت أني لا شيئ, وأني مهما بلغت درجة قوتي, ومها بلغ إصراري, وعزمي, فهو هواء..

أنا الذي لم أقبل يوما ضعفي, خبأته في بئر عميق, في دهاليز لاوعيي, ونسيت الطريق إليه, ومارست كل طرق التضليل, كي لا أتذكره, ولا أستدل عليه.

كنت أمارس عمدا فعل محو الذاكرة, كي لا أتذكر .




لا يهم الفعل الذي أوصلني لتلك اللحظة, و ليس المسبب للانكسار بمهم, ولا الأسباب, لا القشة ولا البعير..

فعند تلك اللحظه أدركت أن لا شيئ أو شخص, قشة أو بعير هو من أوصلني, فأنا الفاعل وأنا كل شيئ, كل المسببات..

لا يوجد أحد ألقي عليه اللوم, ولا ظلم, احتياج,فقد… كل الأشياء تشابهت, وكل الأشياء سقطت, وكنت أنا فقط.

قديما كنت أضحك كثيرا عند قراءة مثل تلك الكلمات, وكنت أسخر من قائليها, قليل من قائليها كانوا صادقين, قليلا منهم مروا بها حقا, لا قرأوها في كتاب, أو أستمعوا لها في حديث لأحد ممن يدعون بالملهمين أو عندما يرتقوا يصبحوا معلمين.

لا يوجد معلم ولا ملهم, هم مجرد أشكال أخرى للسلطة, كالشيوخ والرهبان والساسة والجنود.




…..

نحن ضعفاء…

هنا ندرك الرحمة…

هنا ما أقصده برؤية ضعف رفاقنا, الذي هو انعكاس لضعفنا, وهنا ندرك رحمة الضعف الذي تتشارك فيه كل البشرية, غنيهم وفقيرهم أشدهم عتيا و أرقهم حالا, القذر فيهم والمتطهر..

……

يعلم الله خائنة الأعين وماتخفي الصدور(صدور لا تعني المكان الذي بداخله الرئتين والعضلة القلبية, بل تعني صدر الرأس, أي الجبهة) فالله يعلم ما نفكر فيه, بمجرد التفكير فيه, يعلم بنيتنا النفسية والعقلية, وبني الإنسان وإن كانوا شديدي الإختلاف والتميز, لكن هناك طيف واسع من المشترك بينهم, وهي رؤيتهم لذواتهم..

سنجد من يرون أنفسهم أقوياء, ومن يرونها رحماء, ومن يرون أنهم جبارين, ومنتقمين الخ.

إن قسمنا البشر على صفات الله, ستجد أن تلك القسمة في غالبها تصح..

فالله تعالى, أورد صفاته في آيات تنزيله الحكيم لأسباب كثيرة, أعتقد أن سبب منها, أن يتواصل مع كل صفة-اسم أصحابه…

لكن البشر, أو في هذه الفترة من الوجود البشري على الأرض, علت قيم القوة, والانتقام, والمادة, علت القيم الحسية.. على رغم من أن صفات الله المرتبطة بالقوة والانتقام والعقاب هي أقل الصفات ذكرا في التنزيل الحكيم و أكثر الصفات ذكرا هي الرحمة, والمغفرة, وهي ما أراد سبحانه أن نتشبه بها,كررها كثيرا, كي نرى ذلك ونتشبث به, وندرك أن تلك الصفة كلما أقتربنا منها كلما رضينا, وكلما أبتعدنا عنها, كلما سخطنا وغضبنا ودمرنا,و كلما ذكرنا الله بها من حولنا

(وقل الحمدلله سيريكم آياته فتعرفونها, وما ربك بغافل عما تعملون) 93 النمل

وهو ما يحدث, وسيستمر حدوثه, وإن تغيرت الأسماء, والظروف..

كلما أبتعدنا أُبعِدنا, وكلما اقتربنا قُربنا.

…….

لا أدري أشر أريد بنا, أم أريد بنا خيرا, أميل إلى الإيمان بأن ما يحدث هو خير لنا, على الرغم من الغلاف القاسي والمميت الذي يحيطة, لكن سواء خير أو شر, فهو درس لا بد لنا جميعا من تعلمه, وكما كل الدروس التي تُحفر في وجدادنا, لا بد أن تكون قاسية, كي نتذكرها, ونتعلم منها.

…..

الضعف هو مايحركنا, هو ما نرفضه بداخلنا..

نبني قصورا, نشيد حصونا, نحصن جيوشا, ونستعد لحروب, نخلقها خلقا, كي نهرب من إعترافنا بضعفنا لأنفسنا..

لكن إن كان هناك شيئ يجب تعلمه من مأساتنا الحالية, هي أن نقر بأننا ضعاف جدا, بأقوى الجيوش, وأعتى الأسلحة, نحن ضعاف..

أو كما قالت الفنانة سناء جميل رحمها الله

(إحنا غلابة أوي يا سيد)







Comments

Popular posts from this blog

عبد الكريم وحرية التفكير

معارضه يا ولاد الكلب

ابو اسلام