كورونا والمعنى3

الكِبر

كتبت ونشرت مايو 2020




"أأسجد لمن خلقت طينا"

الخطيئة الأولى في ذاكرتنا, هي خطيئة أبليس, الكبر.

تخيلوا معي لو كان أبليس سجد ألم يكن كل شيئ على غير ماهو عليه الآن؟

لكن إبليس إستكبر, لكي نتعلم نحن الدرس.

الكبر يعمي, الكبر يضل, الكبر يبعد الانسان عن الرحمة, ويلحقه بالغضب.

........

ذُكر السجود لآدم 5مرات في التنزيل الحكيم, بداية من ثاني سور المصحف(البقرة) وانتهاء بسورة طه(20) ولم يذكر مرة أخرى في التنزيل.

هذا السجود الذي دائما ما يبدأ بـ ( قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) دائما هذه هي الجملة المفتاحية,هنا الله سبحانه, قال وللملائكة فقط, هنا نذكر معها آيات أخرى لدلالة القول عند الحق سبحانه( بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون)البقرة117 فقول الله لا يستطيع أي من المخلوقات مخالفته,القول هو الذي تنتج عنه كلمات الله, وكلمات الله هي مخلوقاته, من مجرات,شموس, فالكلمة عند الله هي عين المدلول.

فالله قال اسجدوا للملائكة و لم يقل لإبليس أسجد, بل أمره.

(قال ما منعك أن تسجد إذ أمرتك, قال أنا خير منه,خلقتني من نار وخلقته من طين) الأعراف 12

هنا الحق أمر, وإبليس عصى الأمر, بينما مع الملائكة قال, وقوله الحق لايستطيع أي مخلوق مخالفته, بينما يمكن للمخلوقات مخالفة أوامره.

لكن ماذا حدث وماذا كانت النتيجة, وما السبب في حدوثه ؟

نعلم جميعا أن إبليس رفض, والنتيجة طرده من رحمة الله, وتوعد إبليس لذرية آدم.

قديما كان السؤال الأهم بالنسبة لي كان لِمَ حدث ؟

لما تكبر إبليس على السجود ؟

ألم يكن من الأسهل للجميع أن يسجد, وينتهي كل العذاب عند هذه اللحظة؟

حسنا عندما لم يسجد, ألم يكن من الأفضل بدلا من غضبه وتوعده بني آدم, أن يستغفر ربه ؟

هنا كانت دائما معضلتي الحقيقية, والتي كانت واحدة من أسباب كثيرة أخرجتني من هذا الدين, لِمَ حدث كل هذا ؟

........

في مرحلة ما من عمري, كنت شغوفا بالاجابة على كل الأسئلة التي تؤرقني, سبب الخلق, ولما نحن هنا, ولِمَ كل هذا الظلم, ومن أنا, وهل هناك تناسخ حقا؟وكيف يَظلِم من كان مظلوما, وكيف يغتصِب من أُغتَصَب الخ...

كنت أحارب الدنيا بسيف وهمي, وأتلقى الطعنات من الوهم أحيانا و بسيوف للأسف حقيقيه أحيانا أخرى, كنت ضحيه لأحدهم وجلادا للأخر, ولم أعي أبدا أنه يمكن ان أكون ضحية وجلادًا في نفس الوقت, إلى أن وعيت إلى أني أفعل ذلك بنفسي, أضحي بنفسي, وأجلدها في نفس اللحظة.

ما أفعله بنفسي هو ما أفعله بالأخرين, تلك الإزداوجية التي نعاني منها كبشر, يحملون شفرة تدميرهم داخلهم, إلى أن يصلوا إلى تلك النقطة التي تجد نفسك قد آتيت على أخضرك ويابسك, ولولا رحمة ربك عليك, لكنت في الدرك الأسفل من الإنحطاط..

تلك النقطة, التي يدركها فقط من لمسها, ولا يستطيع أحد وصفها, لأن وصف بعض اللحظات دائما مايدنسها, ويفقدها قدسيتها.

تلك اللحظة التي تدرك فيها أنك لا تهتم بإجابات على أسئلة لن تصل بك إلى شيئ, ولن تغير شيئ, تلك اللحظة التي تدرك فيها أن قدوتك في الحياة ليس ذلك المفكر أو الفليسوف أو المناضل أو الثائر, وأن قدوتك هي ببساطة جدتك, ببساطة إيمانها, وطيبتها, وروحها التي تلمسك في لحظات ضعفك, رائحتها ورائحة الأشياء التي تحبها.

اللحظة التي تدرك فيها أن كل الشعارات إلى زوال, وأن كل الأفكار ستنتهي, وأن العالم في حد ذاته زائل كزوال حياتك وحياة من تحبه,وأن بعد موتك لايهم أن يتذكرك أحد,أو أن تخلد بكتاب أو في كتاب ما, وأن لا دائم إلا ذلك الكيان الذي كانت تحبه جدتك, وأمك ويدعونه لك, كي يحفظك ويرعاك.

أن لا دائم إلا الله.

........

لكن إبليس إستكبر

خطيئته الأكبر, كانت أن ذاته إستعلت, والإيجو تضخم, ورفض...

عندما ننظر إلى أخطاءنا الكبرى في الحياة, سنجد في أغلب الأحيان أن الإيجو هو المسبب له..

....

الدرس الأول لأبينا آدم ونحن من بعده هو الكبر, وضرب المثل بإبليس, هنا تثور نفس الأسئلة, لم إبليس, ولم هذا الدور, لكن هذه الأسئلة لن تفيدني شخصيا في شيئ, الأسباب لا تهم إلا لتفهم أفعال الشخصية, وأن غير مهتم بذلك, إهتمامي ينصب على النتائج, هتلر له دوافع, إبن لادن له دوافع, ويزيد بن معاوية له دوافع وأسباب,فهمي للدوافع لن يعيدوا الملايين الذين قتلوا, ولن يعيد فهمي لدوافع يزيد الحسين, وكذلك الأمر بالنسبة لإبليس.

الكبر, ورث عند إبليس الغضب والعناد الممتد من بعد لحظة نفخ الروح في آدم, حتى يوم الحشر.

......

عندما نرى الخطيئتان الأكبر لإبليس, نتعامل معهم غالبا بترفع, نحن لا نغضب لهذا الحد, وأكيد لا نتكبر إلى هذا الحد, لكن الخطايا الصغرى, دائما ما تؤدي بالتراكم إن لم نستدركهاونتواضع معها إلى الخطايا الأكبر, فما كبيره خطأ فصغيره خطأ.

كبر إبليس منعه من السجود, (أأسجد لمن خلقت طينا) الإسراء 61 وغضبه منعه من الإستغفار عندما قال له الحق

(فاهبط منها, فما يكون لك أن تتكبر فيها, فأخرج فإنك من الصاغرين, قال أنظرني ليوم يبعثون....) الأعراف 14:13

هنا والله أعلم, كان يمكن لو لم يدفعه كبره إلى الغضب, أن يطلب المغفرة, السماح, لكن غضبه أعماه تماما, فكان طلبه أن يُنظر إلى يوم أن نبعث, وعندما أستجاب له الحق

(قال فإنك من المنظرين) الأعراف 15

(قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم, ثم لأتينهم من بين أيديهم, ومن خلفهم, وعن أيمانهم, وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) الأعراف 17:16

خطيئته الكبرى, أدت إلى تماديه في الخطايا..

الكبر, فالغضب, فالعناد.

وكان ذلك الدرس الأول, والأكبر, والأهم لآدم وذريته من بعده, لا تتكبروا, لا تغضبوا, لا تعندوا...

لكننا تكبرنا, على بعضنا البعض,وعلى الأرض, وعلى باقي الحيوانات, تناسينا أن

(وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم, مافرطنا في الكتاب من شيئ ثم إلى ربهم يحشرون)الأنعام 38

أهلكنا الحرث والنسل, بإدعاء التفوق على سائر البشر والكائنات, أعتبرنا بما أننا فضلنا بالإرادة الحرة, تلك الأمانة التي أبت السموات والأرض والجبال أن يحملناه, وحملناها نحن, الظلمة الجاهلين.

(إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال, فأبين أن يحملنها وأشفقن منها, وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)

هذا الظلم والجهل, دائما ماكان له نتيجة, وما نحن نعيشه هذه الأيام والأيام المقبلة, إن هو إلا أحد نتائج ذلك.


....

تحدثت في المقالين السابقين عن الرحمة والمغفرة, بإعتبارهم مكونان مهمان كي نغير ما يحدث, ولكونهما فضيلتين, هنا سأتحدث عن الرزيلة الأكبر.

كيف يمكن أن نرحم ونغفر وذواتنا المتضخمة هي من تقودنا ؟

أسلفت أن التضرع من اللين والتذلل, كي نتضرع لله سبحانه وتعالى لابد أن ندرك حجمنا جيدا, بالنسبة لله, وبالنسبة لرفاقنا من بني البشر, أن ندرك أننا لا شيئ أمام الله, وأننا ذرة في محيط الإنسانية, لها عمر قصير بالنسبة للانسانية, وأننا لا نبلغ الجبال طولا, ومهما علِمنا فلن نفهم إلا إذا كسرنا ذلك العدو-الصديق الكائن بين أضلعنا, وهو الأنا.

ذلك الكسر, سيعلمنا معنى الرحمة الحق, كيف نرحم الضعيف لا لأنه ضعيف ونحن أقوياء, بل لأننا نرى ضعفنا الشخصي فيه, ونتوحد معه ونتعاطف معه, لا لأننا أخيار وطيبين, بل لأننا مثله تماما, الفرق الوحيد أن حظنا كان أفضل منه.

عندما نغفر لمن أساءوا إلينا, لا نغفر لهم لأننا نحمل حب العالم بين ضلوعنا, وأن لنا أجنحة ملائكية تمحي خطايا العالم, بل لأننا بكل بساطة نغفر لأنفسنا ما فعلناه نحن بنا..

الرحمة والمغفرة ليست منا إلى الأخرين, الرحمة والمغفرة هي منا إلينا, كما المرآة,نرى إنعكاس صورنا في رفاقنا من بني البشر.

الله سبحانه وتعالى يطلب مننا أن نتضرع كي نتعلم, يطلب منا أن نتضرع كي نرى, فالضرع كما هو لين ذلول, يحمل بين طياته الغذاء الذي يحيي الرضيع.


.....


يتحدث الكثير من المعلمين عن موت الايجو, وكأنه لحظة, تأتي بسبب كشف إلهي, أو التعرض لتجربة شديدة القسوة, وهذا جزئيا صحيح, لكن ما يلي دائما تلك اللحظات هو الأهم, لحظة التجربة مهما طالت قصيرة, الأهم هو الاحتفاظ بتلك التجربة وتذكير أنفسنا دائما بها, لا أن نتباهى بها في تواضع, فبعض التواضع كِبرٌ مقنع.

موت الايجو ليس لحظة, بل الممارسة بعد تلك اللحظة, أن نتذكر دائما ذلك الوقت, أن نتذكر مدى ضعفنا وإنكسارنا, وكيف كان جبر الضعف والإنكسار جميل, وأن لولا ذلك الضعف والانكسار, ماكنا عرفنا ذلك الجمال.



Comments

Popular posts from this blog

عبد الكريم وحرية التفكير