عمياء كقطع الليل المظلم
“واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب"
“تكون بين يدي الساعة فتن-عمياء- كقطع الليل المظلم يصبح فيها الرجل مؤمنا ويمسي كافرا, ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا, يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا…”
هذا الحديث رواية أنس بن مالك.
“بادروا بالأعمال فتن كقطع الليل المظلم, يصبح فيها الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا…” رواية أبو هريرة.
لن أتحدث عن شخصية أبو هريرة, ولا عن دوره هو وكعب الأحبار, بل لن أذهب إلى رأيي الشخصي القائل بوهمية وجوده.
كل ما أريده الآن هو التفكير في الحديثين والفروق الجوهرية التي تغير المعنى بشكل كبير.
يفتتح الحديث الثاني بجملة "بادروا بالأعمال فتن كقطع الليل المظلم…” هنا دعوة لعمل الصالحات, كي ننجو من فتن كقطع الليل المظلم, يتبدل فيها الحال عند المعطلين بين الإيمان والكفر, حديث ذو نبرة متوسطة إلى منخفضة من الترهيب, و حل لتجنب ذلك الأمر, بعمل الصالح من الفعل, هذا حديث يصلح لأي زمان, ويكفي أن يكون القائل على درجة من الحكمة والخبرة الحياتية, كي يستشرف مثل ذلك الأمر, فألاف المقولات لحكماء أخرون, هي صادقة وصالحة أيضا.
لكن إن ذهبنا إلى الحديث الأول (الذي أؤمن بصحته, وإيماني بصحة الحديث لايأتي من قوة المحدث أو التواتر أو علم الرجال, بل شيئ قلبي, يمكن لك أن ترفضه إن شئت ولا تُكمل ما أكتبه)نجده يفتتح بجملة تحمل من الترهيب الكثير "تكون بين يدي الساعة… " والساعة هي أثقل شيئ على قلب المؤمن "يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقين منها ….”فالجملة كافية لإرهاب الجملة, وتأتي كمالتها ب "كقطع الليل المظلم" ليس فقط فتنة عادية (هنا رواية أخرى تضيف لكلمة فتن-عمياء-) .
هنا أمام درجة عالية من التخويف والترهيب, “الساعة, فتن, عمياء, قطع الليل المظلم" وأثر هذه الفتن القاسية على النفس البشرية, أنها تقلب القلب بين الإيمان والكفر في النهار والليل,خاصة أنه يحمل صفة التنبئ والتي هي جزء أصيل من صفات "النبي" والفرق الجوهري بينه وبين الرسول.
هذه النبؤة إسترشادية لأقوام ستأتي بعد البعثة بألف وخمسئة عام, لا فقط كي يتمسك المؤمن بدينه, ولا أن يعض على النواجز الخ ما يقولونه, لكن الأهم عندي, أنها عندما يتقلب قلبك بين الكفر والإيمان ,تدرك أن الزمن قد حل, وأنك قد دخلت في عَمَى الفتنة.
ولننتبه لما يحل بنا, فالإيمان والكفر لا يرتبطان فقط بالله إنكارا وإيمانا, بل بآياته أيضا وهو ما نصت عليه كثير من الآيات بجمل مثل "….يكفرون بآيات الله" وتقليب القلوب وتبدل الأنفس من أكبر الآيات في الإنسان "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ألم يكف بربك أنه على شيئ شهيد".
الحديث ليس حكمي على الإيمان والكفر, بل إرشادي لآية من آيات الإيمان والكفر, لأنه وقريبا جدا إن شاء الله وأذن, سنمر جميعا إلا من رحم, بهذه الآيات, فمنا سيرى أن ليس بيده ما يفعله, ومنا سيتوقف ويسترشد بكلمات النبي العابرة للزمان, الآتية من إلقاء الروح عليه من الله(والروح هي درجة من الوعي, كما أسلفت في موضوع سابق) ويقف على تقلب قلبه, وهو ما بداخلك لا مابخارجك, وهو جوهر الأمر لا مظهره, ولنعلم وقتها أن الأمر قد وقع.
الفرق الأهم بين الحديثين, بجانب أثرهم و معناهم, وحقيقتهم, أن أحدهم يصدق الآية والآخر يبتعد عنها, “ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة….” فالظالمين والمتقين سيصابون بها, فهي فتنة عمياء لا تُفرِق, قدمت لها عملا أو لم تقدم ستصيبك, لكن إتقاءها في تدبرها, والتعرف على العلامات, وقبولها أهم من التعرف, فكم من معرف غير مقبول"بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين" .
إن كنا جميعا نرى الظلام قد حل, والنهاية (بمختلف مسمياتها و علاماتها ومعانيها عند الجميع) قد أقتربت, ف لا يجوز أن نظل كما نحن, في حالة من الإلهاء المستمر, الحقيقي منه والمزيف, فالصاروخ الذي يضرب الأرض يقلبها, فيخرج العفن في الأرض وفي الأنفس, وهناك إختيارات بسيطة, وإن كانت ثقيلة, أهمها هل ندع الشمس تطهر الأرض والنفس, أم نستمر في دسها بالإلهاء ؟
Comments