الإدبار والتوقف
الإدبار والتوقف
"إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولو مدبرين" الآية دي دائما ما كانت بتردد في أي موقف صاحبه يقولي"كلامك منطقي، بس أنا مش عارف أعمل غير كده" مابقاش فاهم، يابني ده أذى، ماحدش حينضر غيرك، الثمن اللي حتدفعه بعدين مهول. ساعتها بتردد الآية في ودني، بالراحة الأول وع استحياء، بعدين بتعلى وأسمعها في الراديو و في الشارع وفي كل حتة(الأذن بتقدر تستخلص الصوت اللي عايزاه وسط الضوضاء، لو الفكرة مسيطرة، فبتلقطها أو بتختلقها) بس للأسف نادرا ما بقبل الإنصياع لها. وسبحان الله، الآية دي اتكررت بشكل متطابق في سورتي النمل والروم، الفرق بينهم حرف (الفاء) مرة بدأت "إنك…" في النمل ومرة "فإنك…" في الروم. ومرة بشكل جزئي في الأنبياء"…..ولايسمع الصم الدعاء…" فده بيطمني شوية، إن سيدي النبي شخصيا احتاج انه يقال له المعنى ٣ مرات، و يقال في صور مختلف مرات عديدة، في آيات شبه"إنك لا تهدي من أحببت لكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين". وهو أعلم بالمهتدين. الصمم او الموت او الضلال ليست لعنة شخصية، كما نحاول أن نصورها لأنفسنا "لو أن الله هداني لكنت من المتقين"
لكن كما أسلفت في موضوع سابق, أن الشقوة الشخصية(التروما) هي أكبر عدو لك, ولا عدو أكبر من نفسك, لأن النفس عندما تبدأ بالجلد, لا تتوقف.
في أغلب علاقاتي الإنسانية, يتلاعب بي عقلي, وأسوء صور التلاعب هي التركيز على تفصيلة من التفصيلات واغفال الصورة الكاملة, كما نفعل في الصور عندما نقتطع جزء من الصورة(Crop), عن بقيتها, فلا نرى سوء الجزء الذي قمنا بفصلها, ومع الوقت يتحول الجزء المقتطع إلى الحقيقة, وننسى أن هناك صورة كاملة, دفعتنا إلى قبول النهايات, بل طلبها قبل حدوثها.
لكن لماذا يفعل العقل هذا ؟ وهل العقل من يفعل هذا أم النفس ؟
يخبرنا علم النفس, أن الإنسان يستمرأ شقوته(التروما) ويعيد في كل علاقاته العاطفية والانسانية والإجتماعية, صور مختلفة من هذه الشقوة, فينجذب لنفس الأشخاص الذين سيعودنه لنفس مسرح الشقوة, يعلم بشكل غير واع ومن قبل أن تبدأ العلاقة أنه ينزلق إلى نفس الحفرة, لكنه لا يوقف نفسه, فالشعور الآتي من الشقوة, هو ما تعود وتآلف عليه طيلة عمره, تبحث الإنسان عن الشخص الذي سيعيد له نفس الأحاسيس الموجعة, على أمل أنه هذه المرة سينجح في تغييرها, تكون هذه هي أمنيته, لكنها الأمنية غير الحقيقة, فالحقيقة إننا نعيد نفس الأوجاع لا غير.
حتى وإن تخلصنا من الشخص, بتوفيق إلهي ما, سنعود لندور في نفس الفلك, سنتغاضى عن كل الإساءات, وكل الأحاسيس بعدم الكفاية والأهمية, فقط كي لا نعترف لأنفسنا أننا لا نستحق ذلك.
عندما يخبرني صديق أو صديقة, أنه أمضوا مع أشخاص مسيئين أكثر من 10 سنوات, كي يستطيعوا التخلص من تأثيره, أتسائل داخلي, هل حقا تخلصتم من التأثير ؟ أم ستعيدون الكرة مرة أخرى ؟
لا ترفعا ولا فوقية, بل لمجرد أني فعلت نفس الشيئ, وأتمنى أن أكون تخلصت منه.
…..
“إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين"
مافهمته مؤخرا من الآية, بجانب المعنى المباشر, معنى أخر.
يمكنك أن تسمع الموتى والصم الدعاء, لكن إن لم يولوا مدبرين, إن لم يخشى الإنسان الحقيقة, إن أراد الفرد منا أن يرى, وأن يتحمل الثقل والظلمة والوجع الآتين مع الحقيقة, فسيسمع ولو ميت, سيسمع ولو أصم..
لكن الإنسان للأسف يهرب, يلهي نفسه, يركض في كل الإتجاهات إلا إتجاه الخلاص..
نحن أسرى شقواتنا(تروماتنا) وليس بغريب أن يخبرنا الله على لسان بعض أهل النار "قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين" والإدبار عن سماع الدعاء, هو ضلال, وإن زينت لنا نفسنا وأثقالها غير ذلك
……….
“كلامك منطقي بس مش عارف أعمل غير كده"
يمكن أن تفعل غير ذلك, بمجرد التوقف, إن توقفت عن الفعل, فقد غيرت مجرى الحدث, ونفيت الفعل.
توقف وأنظر وتحمل ما ستراه, فأي أرض في بدايتها تحتاج لتلقيب وتنظيف وحرق الحشائش, كي تعود للإنتاج, لكن توقف كبداية.
Comments