السجن والدود
“بس ليه فكرة السجن أصلا, يعني إيه ناس تاخد ناس تحرمها من كل حاجة, تاكل وتشرب وتفضل في أودة"
أعلم أن من يتسائل, يعلم فكرة السجن, يفهمها, عاصرها من قبل عشرات المرات.
أحيانا عندما يتوقف عقل الإنسان عن استيعاب المعطيات, يعود إلى مرحلة الطفولة والأسئلة الأولى, وعند الرد لا تجد سوى الرد البديهي.
-السجن سيطرة واخضاع, للي جوه واللي بره.
“طب ما هم مسيطرين وكل حاجة بأمرهم؟!!"
……..
هناك أشياء نعلمها بعقلنا, نحفظها كما حفظنا جدول الضرب, لكن رغم أننا نستطيع إجراء عمليات حسابية بسيطة سريعة, لكن عقلنا في أحيانا كثيرة يعجز عن إيجاد ناتج جميع 10+7+15, رغم أننا نستطيع جمع الأرقام, لكننا نعجز عن الوصول لنتيجة.
عقلنا يعلمنا أن لو شخص يمتلك ثروة لا تحصى, فمن المفترض لا يشعر بأي نقص, أو شخص يتسلط على بلد, ويتحكم في أنفاس البشر, يجب أن يشعر بالسيطرة, لكن لماذا لا يشعرون بالسيطرة, وقد دانت لهم الأرض, ألا يعلمون أنه المسيطرين؟
إن أعطتيتك أغلى بالون في العالم, لكنه مخروم, هل تستطيع نفخه ؟
الفارغ لا يُملئ إن كان معطوبا, كذلك الإنسان.
…..
لا أفهم الجشع, عدم الشبع, رغم زعمي أني أستطيع فهم كل الشرور, وأستطيع أن أضع نفسي مكان الآخر, وأرى أي أفعال صحيحة أو خاطءة حسب منطقه هو لا منطقي أنا, لكني أتوقف أمام الجشع.
لا أفهم إن كنت تملك مليار لما تريد أكثر ؟ لا أفهم إن إمتلأت بطنك, كيف تأكل أكثر ؟
عندما كنت أكل أكثر من حاجتي صغيرا, كانت جدتي تعد شربة الشيح, وتجبرني على شربها, ظنا منها أني أعاني من الديدان(لمواليد بعد الثمانينات, الديدان والمايكروبات المعوية كانت منتشرة بكثرة ونحن أطفال, لدرجة أنه في سنة من السنين, كانت هناك حملات توعية تلفازية كي تعلم الناس كيف يغسلون الخضروات خاصة الخس)
كبرت على رعب من الديدان, خاصة أن الجدات لهم طرقهم الخاصة, في الترهيب, وإضافة الكثير من المؤثرات للقصة, كي تؤدي غرضها, كقصة طفلة من معارفنا, أمها سحبت من مؤخرتها دوده طولها ثلاثة أمتار, هذه الفكرة أرعبتني, سئلت كل من أعرف أنه لهم خلفية علمية (كان لي أقارب في كليتي علوم وصيدله وقتها) وكلهم أكدوا لي أن يمكن أن يصل طول بعض الدود إلى أكثر من 5 أمتار, وأن أمعائنا يزيد طولها عن العشر أمتار.
…..
الدود يحكم
الدود لا يشبع, كأي طفيلي يتغذى على المعيل إلى أن يموت, لا يتوقف لا يحاول أن يقلل التكاثر, أن يحافظ على الجسد الذي يعيله ويكفل له الحياة, بل يستمر في التغذي المفرط على الإنسان إلى أن يموت ذلك الإنسان.
أنظر حولك, هل هناك أي معنى لكل ما يحدث سوى أن من يحكمون هم دود ؟ يقتاتون على الأخضر واليابس, ويدمرون ما تبقى من جمال في أي شيئ.
شجر, بشر, حجر, قبور.
ومعهم المعنى
حب,عائلة,صداقة,رحمة,صدق, منطق, أصول, أخلاق حقيقية.
أن تهان أصبح هو الطبيعي, أن يداس علي ما تبقى من آدميتنا هو الطبيعي, أن يفرغ في جماجمنا جهل ونصب وكذب بواح وتلاعب بالذاكرة والتاريخ والأحداث, هو المعتاد.
نحاول أن نحمي ما تبقى من خلايا عقلنا, نحاول ألا نتحول إلى كائنات كريهة, صور مشوهة لحقيقة ما, يحاول الدود طمسها.
….
الناقص لا يمتلأ ولا يملئ
مهما إمتلكت أو قدرت, سيطرت, إن كانت الدودة داخلك, فلن تشعر أبدا بأنك تمتلك أو تقدر, بل ستشعر دائما بالإنهاك, وأنك مهما أكلت لا تشبع, ومهما قدرت ضعيفا, ومهما سيطرت لن يهابك أحد.
يمكن أن تقمع كيفما وأينما شئت, لكني لن أهابك, وإن خشيت بطشك وضعفك, القوى لا يُخشى القوى يُهاب, وإن أمسك سلاحا, فأنت تعلم أن السلاح لن يهتز في يده, وأنه لن يطلق النار عليك خوفا, أو لشعوره بالتهديد.
…
العركة أخلاق
تعلم أغلب جيلي من الذكور, أخلاقهم الذكورية من الشارع, تعلمنا كيف نتعارك, ومتى تتصاعد العركة, ومتى يجب أن تنتهي, وكيف تنتهي, كيف تضرب العدو إن كنت تمسك سلاحا, والفرق بين ضربة نبوت, سيف, و المطواة, وكيف أن الضرب بالسلاح يكون بظهره لا بالسن الحاد, وكيف وأين تعلم بسلاحك على عدوك, ومتى تنهي العراك.
أخلاق بسيطة متعلقة بالقتال, نتعلمها كي نحافظ على أداب المعركة, وهي أداب موروثة منذ القدم, نحن لا نقتل خصومنا ولا نهينههم, ولا نخلق ثأرا لا ينتهي, كل ما تريده من خصمك هو أن يهابك, فإن حدث, فقد إنتهت المعركة.
الهيبة هي ما نبحث عنه في المعارك, لا الاخضاع ولا التبعية, والهيبة هي من تحمي المناطق, أن يهابك الآخر أفضل من أن يخافك, فالخوف فيه جبن, إنها الهيبة فيها إعجاب مستتر, وإن لم يعلن.
….
تعلمت صغيرا, وعلى مدار سنوات نشأتي, أن لكل شيئ أخلاق, حتى السرقة والقتل, لهم أخلاق, ولهم محاذير, لهم أداب يجب أن يتم الإلتزام, عرفت في زمن ما قاتل مأجور, قام بقتل أكثر من 14 نفس, أخبرني أنه لم يقتل أحدا حراما
لم أفهم, فكل القتل حرام.
أخبرني أنه قبل أن يقتل, يقوم بالتسمية ويتلوا الشهادتين ويكبر, كأنه يذبح بقرة.
لم أفهم الطقس, فهو في النهاية قاتل, لكني بعد ذلك فهمت مع الزمن, أن الإنسان مهما كان مجرما, إن لم يكن سيكوباتي, يريد فعل شيئ خيِّر واحد, كي يقول لنفسه أنه ليس شديد السوء, وأن رحمة الله ممكنة والتوبة أيضا.
رأيت سارقين, لايسرقون إلا الأغنياء, لأسباب برجماتية, وأخلاقية.
لكني بكل تعاملاتي مع خارجين عن القانون, نادرا ما وجدت رذيلة الجشع متشابكة معهم, يمكن لأني كل من عرفتهم من الخارجي عن القانون ينحصروا في البلطجة والسرقة, والجرائم المشابهة, أستطيع خلق حوار معهم, وهناك بعض التشابهات النفسية, لكني لم أقترب ولا مرة من نصاب,مرتشي-مختلس, مغتصب أو قواد.
يمكن من أجل ذلك لم أرى الجشع ظاهرا.
……..
إن أسقط الخصم الأخلاق, فلا يعني ذلك سوى فجره, مهما إدعى غير ذلك.
يهرب الجشعين من الأخلاق, من أي إطار ينظم أو يكبح حاجتهم التي لا تشبع أبدا, الجشع مخالف للطمع, الطمع خطيئة صغيرة, بالنسبة للجشع, تأمل الكلمتين ط م ع , ج ش ع, الميم مهدءه والشين مؤججة.
لا جشع بدون دونية ونقص, إن كنت للنقصان أقرب, فأنت للتمام أبعد, مهما إكتنزت ومهما سيطرت, مهما عليت, فأنت داني.
رائحة العفن لا تتبدل ولا تخفف, مهما إستخدمنا من عطور وبخور, ستظل رائحة العطانة تفوح من كل الخلايا, تشير بشكل واضح وبلا لبس إلى النقص الذي يحاول صاحبه يخفيه, ومهما أخفاه سيظهر.
.....
صغيرتي:السجن إستعراض قوة وسيطرة الناقص على الطبيعي, السجن محاولة إخضاع من الناقص, لتسييد الدود على المسجون, وكل المقموعين يحملون بيض ذلك الدود, يفقس بعضه في السجن, أو بعده, البعض يحاربه, ويدفع ثمن خروج ذلك الدود من الجسد(وخروج الدود ليس عملية بسيطة, بل شديدة الإنهاك والإرهاق) والبعض يمضي به, محاولا إخفاءه.
.....
13 سنة, تمنيت, مجرد أمنية, أن يتوقف الدود, أو أن يعلم أن وجوده مرتبط شرطيا بالمعيل, الذي يتغذى عليه, لكني الآن أتعجب كيف تمنيت نفسي ذلك؟ يبدو أني خلطت بين الأمنية والوهم كما عادتي.
الحرية ل دومة,عادل,مشاغب,أبوالفتوح, وكل المعتقلين.
يارب عجل فرجك.
“…..ألا أن نصر الله قريب"
Comments