في الضلمة بنتعلم
البشر, مهما نفرنا منهم, مهما هاموا بالوهم واختاروه طريقا, لكن يبقى لديهم حس بالخير والتعاطف, مهما بلغوا من الخسة والأنانية, بيبقى لديهم شيئ من الطبيعة الإنسانية, اللي هي خليط من الفجور والتقوى, كلنا بنحمل الخلطة دي, ومافيش حد مهما كانت تصوراته عن نفسه, إلا جواه الصلاح والطلاح, الوهم والحقيقة, وبتتبدل النضارات على عيوننا, فبنشوف الوهم حقيقة والحقيقة وهم, والوهم لعبته معقده, مافيش أبدا وهم بيظهر إنه الوهم, الوهم فيه من الحقيقة, الوهم شبه الحقيقة أوي, بس مش حقيقة.
…..
“إذا الدنيا أقبلت باض الحمام على الوتد, وإذا أدبرت بال الحمار على الأسد"
أول مرة أقرى المثل ده, كان عند محمود السعدني, كنت في تانية ثانوية, ولقيت "كتاب الصعلوكي في بلاد الأفريكي"عند بتاع الجرايد(كان إسمه حمادة, رجل على باب الله, مافيش كتاب على الفرشة ماقراهوش, وكان بيحبني لله في لله, وبيبيع لي الكتب بالآجل, على أسبوع أو اسبوعين, كل يوم الصبح أعدي عليه أدي له نص جنيه و أشتري بالنص التاني أي حاجة من مكتبة الأسرة, الله يرحمه ويحسن إليه, إنجلط ومات)
أغلبنا بيشوف الإقبال والإدبار ناتج عن سوء الزمن والبشر, بنطلع العبر في الإتنين, وبنرفقها بعبارات "إخص عليك يا زمن" أو " ماكنش العشم يا بشر" واللي هو شيئ منطقي ومفهوم, بس بننسى أو بنرفض نشوف اللي ورا الأشياء.
…...
“وماربك بظلام للعبيد"
أي فتنة, أي إبتلاء, هو مجرد إعداد, بيختلف الإعداد من شخص لأخر, وكل مصمم له إبتلاءه وفتنتنه, وكل نفس على قدر وسعها, مش مهم الإبتلاء شكله, نوعه, درجته, المهم اللي وراء الإبتلاء.
الإبتلاءات إمتحانات, عشان تعدي سنة دراسية, لازم تمتحن, وكل منهج بيتطور في صعوبته, وكل ما تقدمت في المنهج, زادت الصعوبة, لأنك المفروض تكون إتعلمت من المنهج اللي قبله.
بس تخيل معايا, كل سنة دراسية, بتعدي بالغش, أو الواسطة, أو بيجيلك الإمتحان قبل ما تدخله, عشان بابا أو ماما عندهم نفوذ وسلطة, بعد شوية حيروح بابا وماما, والواسطة حتروح, والغش مش حيعديك, لأن إمتحان اللي جنبك, غير إمتحانك.
ساعتها حتفضل في نفس المنهج سنين طويلة, بتلف حوالين نفسك, تسئل أنا ما بنجحش ليه, رغم إني بحل كويس ؟
الفكرة إن حتى التعريفات بيختلف معناها, الحل عندك مش شرط خالص إن يبقى الحل اللي حينجحك, وحتبقى بتذاكر فيزياء والإمتحان في الجغرافيا.
…..
من الآيات اللي وقعت تحت سطوتها سنين طويلة من عمري, لحد ما ربنا نجاني من السطوة دي آية سورة الكهف"قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا*الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهو يحسبون أنهم يحسنون صنعا" واللي نجاني منها هي إني كنت بقف عليهم, ومابكملش تفكير في اللي بعدهم"أولئك الذين كفروا بآيات ربهم فحبطت أعمالهم فلا نقيهم لهم يوم القيامة وزنا"
آيات الله مش بس المكتوبة في الكتاب, زي ما ربنا ماقالنا, إن الآيات في السماوات والأرض, وقالنا إننا بنمر عليها معرضين.
والكفر هو التخبئة والإعراض رفضا, ومنها سمي المزارع كافر, لأنه بيغطي البذور ويخبيها في التربة(عندي حاجة لآية "...يعجب الزراع ليغيظ به الكفار" ربنا يسهل وأكتبها) .
جزء مهم, إن ماكنش أساسي لأن عملك يبقى خاسر, هو الكفر بآيات الله وعلاماته, اللي ماليه حياتنا, وما بتطلبش مننا غير الإنتباه والحضور الذهني والعاطفي, حنشوف في كل دقيقة آية, وفي كل حركة علامة, ولكل فعل ورد فعل, دليل.
حنشوف في الضلمة نور, لأن الضلمة ماهي إلا طور من أطوار النور, مرحلة أساسية لتأسيس الضياء.
كان الله وسط الظلمة العمياء, فقال الله ليكن نورا, فكان.
لترى الله, لابد أن تمر في الظلام, فإن أحسنت أتاك نور الله, وإن أعرضت, سكنت الظلام وسكنك.
……..
من اللحظات القاسية على كل إنسان, هي لحظات إنصراف الناس من حوله, البني آدم بيحاول يفهم إزاي الناس اللي عملت لها حاجات مهمة وكبيرة في حياتها, تتخلى عني في أكتر لحظات حياتي قتامة, ووحشة.
بيطلع سؤال رثاء النفس الأهم"إزاي هنت عليهم ؟" “إزاي مافتكروش وقفتي جنبهم" “إزاي نسوا" “ده لولايا كان زمانهم وزمانهم".
أسئلة ظاهرها الصعبانية, وباطنها إننا بنرفض نشوف الدنيا إلا بعينينا.
الحق, والخير, والجمال, معاني بنتخيل إن تعريفها مشترك عند الإنسانية, في حين إن البشر في حقيقة أمرهم, عمرهم ما أتفقوا عليها, الحق عندي غير عندك, وزيهم الخير والجمال.
وأنا صغير لما كنت بشوف رجل شكله ملغبط, وحاله على القد, ومتجوز واحدة سبحان الخلاق, مابفهمش إيه اللي حصل, وبيزداد عدم فهمي, لما أعرف إن كان في قصة حب كبيرة, وإن الموضوع مش جواز صالونات, أو إختيار عائلي.
إزداد عدم فهمي, لما شفت أصحاب زي الفل, بيهيموا عشقا في ستات في نظري أنا (وهو نظر أثبت الزمان إنه خاطيئ جدا بالذات في الحتة دي) مايساووش بين الستات حاجة, وبيتغزلوا في ملامح وتفاصيل, بالنسبة لي أنا في منتهي القبح.
وكانت دائما الإجابة المعلبة "لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع" أو المثل اللي كنت مصدقه جدا"البضاعة البايظة بتفضل تقول نينيي نيني لحد ما تيجي الهبلة وتشتريني" وكنت شايف أغلب الناس, ماعداي طبعا(عشان أنا أجمد حاجة ولا جدال) هبله وبتروح للبضاعة العفشة.
فاشتريت بضاعة كتيرة, فاكرها فرز أول, عشان أكيد أنا بفهم, وطلعت مرتجعة ومعيوبة.
……
“وما سميت الدنيا إلا من دنوها…..” علي بن أبي طالب
الحياة قاسية, والدنيا من الدنو والدنو في تعريفه من الانحطاط(لاحظ إني بستخدم المعنى بدون تحميله مشاعر إتفق الناس عليها).
أعتقد إن في إتفاق بين الناس على معنى الحياة والدنيا, الأصل في الدنيا إنها مكان إنعقاد الإمتحان, وإنها إختبار دائم, لا ينقطع, ولو الإختبار إنقطع ما تفرحش, إحزن.
ربنا مابيقطعش الإختبار إلا للي رمى طوبته, وده لا يعني الكافر أو الملحد, لأن المقياس مش الإيمان والكفر, المقياس دائما هو الأذى والتقوى, الفساد والإصلاح, الكافر ممكن يؤمن, والمؤمن ممكن يكفر, بس الفساد والإصلاح, هم الأصل, بيتوج الإصلاح بالإيمان, وبيتوج الفساد بالإنكار.
وفي الإختبار, بتبقى لوحدك, مافيش اختبار حقيقي حد حيمتحنه معاك, قرب أو بعد الناس وقت الإمتحان, مابيفرقش في الحل, زي الأمهات اللي بتقعد تستنى عيالها, وجودهم أو عدمه مش حيحل لك السؤال, ممكن يطمنك بعد ما تطلع من اللجنة, وممكن مايفرقش.
بس البعض بيفرق معهم الدعم أكثر من المذاكرة, بيفرق معهم الطبطبة, أكتر من عدم الخطأ, إنه يلاقي حد يطمنه إنه جنبه وحيلقفه لو وقع, في حين إن الحقيقة, إن حتى لو حتى حد طبطب عليك, واداك حضن التفهم والمواجدة, بس تظل الحقيقة إنك أخطأت, وعكيت في الإمتحان, وحاولت تغش, وتستعطف المراقب و تسترجي زميلك اللي جنبك.
واختبارات الله, مافيهاش نجاح مع الغش, حتى لو تجاوزت الإمتحان, فده مش معناه إنك تعلمت حاجة.
حيتعاد الإمتحان, وحيكون أصعب, وحتسقط برضه, مهما اتطبطب عليك, ومهما لقيت صدر حنين تترمي في حضنه.
الحقيقة عمرها ما حتكون غير قاسية, مافيش حقيقة حنينة, ولو كانت سهله أو حنينة, شُك ع طول في صحتها.
….
“…..وما سمي الإنسان إلا من النسيان" علي بن أبي طالب.
الناس (واحنا كلنا عند بعض ناس) إتلوثوا, سواء باختيارهم, أو الظروف أجبرتهم, بس في النهاية, كلنا إنضربنا بنفس الفيرس, ونفس الفيرس بينهشنا, سواء إعترفنا أو إنكرنا.
وكلنا فصول في حياة بعض, وكلنا أبطال روايتنا, فمن الوهم اللي بنعمله في نفسنا, إننا بنشوفنا محوريين في حياة بعض, وبنعتقد إن ده دائم, ف حين اللي كنت محور حياته في يوم من الأيام, بكره حيبقى فعلك مجرد ذكرى ده لو أفتكره, وحتى الفعل اللي إنت معتقده محوري, حيبقى عند الأخر, مجرد محطة, وقف فيها, وحيعديها, ده لو أخد باله منها أصلا.
البعض لما بيعتقد في تشوه البشر وتلوثهم, مش بيحسب نفسه من الناس, بيحسب نفسه أحسن منهم, أو أفعاله أكثره خيريه وصلاحا منهم, راسه بتتملى بالمواقف اللي تثبت رأيه, وبتحسن صورته قدام نفسه, وجزء من الصورة دي, إننا نشوف الناس مشوهين وزومبي ملوثين.
فلما بيحصل التباعد والتخلي, بننصدم, ونتلغبط, ونقعد نفتكر إحنا عملنا لهم إيه, وإزاي هم ماعملوش المفروض منهم.
وبننسى إن دي فرصة مهمة جدا, إننا نعرف الناس شايفانا إزاي, إننا نشوف نفسنا بعينهم, نعرف إنطباعهم الحقيقي عنا, وممكن في الإنطباع ده, نشوف حتة من حقيقة نفسنا, اللي مخبينها عن نفسنا.
ماهو لو إحنا أيقننا إننا كلنا ملوثين ومعيوبين بجد, حيبقى إنطباع الناس عنا فيه جزء من التلوث والعيب ده, بس إحنا بنرفض تماما ده, في الغالب حيبقى الإنطباع مجحف, بس حتى الإجحاف فيه جزء من الحقيقة, لو تتبعناه, ممكن نشوف أخطاء إرتكبناها في امتحانات سابقة, ونشوف تكرارها, ممكن نفهم حركتنا اللي معمينها على نفسنا, ممكن نكسب أي حاجة وقت الخسارة, والمكسب وقت الخسارة, في تجربتي الخاصة, هو أحلى مكسب, حلاوة الشوف بتضيع أي مرار للخذلان.
بس الشوف محتاج جسارة, أو توصل لنقطة خراب داخلي عميق, كله عندها بيشبه بعض.
في الضلمة بنشوف ولو كنا في النور عميان, في الضلمة بنتعلم, مهما كنا في النور جُهال.
سيدي علي قالك
“ والعين تعلم من عيني محدثها...إن كان من حزبها أو من يعاديها
عيناك قد دلت عيناي منك على…أشياء لولاهما ماكنت تبديها"
العين تعلم والنفس تعلم, فأعلم.
….
خاتمة
الكلام سهل, والفعل ممكن يحمل حب الظهور والإدعاء, بس حركة البشر عمرها ما بتكدب, نمط الحركة هو الشيئ الصادق المجرد الوحيد عند البشر, أي حاجة تانية يمكن إدعاءها, أو ترديدها لكسب الإطراء وثناء الأخرين عليك.
Comments