ملاحم 1



صغيرا كانت قصص ملاحم نهاية الزمان، هي قصصي المفضلة، والتي أجدها في المساجد داخل كتب السير، أو في كتابات الإسلاميين خاصة من الفلسطيين.

….

طفلا في نهاية الثمانينات حيث ماسمي الجهاد الأفغاني ضد الملاحدة السوفيت، حفظنا أسماء حمكتيار وبرهان الدين، وعزام وغيرهم من قادة المجاهدين ومنظريهم، وزعت علينا قصص بطولات المجاهدين، القليلي العدة والسلاح(كما أفهمونا لا كما الواقع) وكيف كانوا يروا معجزات الله بأعينهم.

حكوا عن الأطفال رعاة الغنم، الذين يهربون السلاح إلى المجاهدين في الكهوف وكيف كان احدهم حينما يقع في كمائن السوفيت يفجر نفسه أو أغنامه ويقتل الألاف(ولم يخبرونا أن جزء كبير من هؤلاء الأطفال يتعرضون للإنتهاك الجنسي المتكرر من المجاهدين ويقومون بالرقص لهم ليتسروا بهم).

وعندما نلعب الكرة، كنا نسمي فرقنا بأسمائهم، تعرفت على أطفال أفغان كثر، تعلمت بعض الكلمات الأفغانية، لكني لم أفهم لما هناك كراهية عميقة بينهم، ولما ملامحهم شديدة الاختلاف.

……

كررت في أكثر من موضع خلال الأشهر الماضية, أن الحرب التي بدأت بالسابع من أكتوبر المبارك, هي من أهم علامات النهاية(وهو أمر سيستغرق سنوات طويلة).

المتتبع للأفكار الدينية المنغرسة في قيادات حماس, سيجد إيمان عميق بملاحم نهاية الزمان, لا أتفق مع حساباتهم, أو رؤيتهم العامة لها, لكن أهم المؤمنين والمبشرين بتلك الملاحم هم من غزة, وأغلبهم حملوا السلاح, وأهم منظريها, لذلك قضوا نحبهم في المعارك الدائرة خلال الثلاث سنوات الماضية.

ستجد ذلك في كتابات وفيديوهات بسام جرار, أو أبو صبري, وإشارات واضحة على لسان المرتقي أبو عبيدة المتحدث السابق لحماس.

هذا غير عشرات الصفحات التي كان يديرها غزاوين ومقاتلين في حماس, قبل السابع من أكتوبر, والتي أرتقى أغلبهم إن لم يكن كلهم.

……

قبل السابع من أكتوبر شغلني سؤال واضح, إن كانت روايات نهاية الزمان حقيقة(أشكك في حقيقتها لا لضعف رواتها فقط, بل أيضا لأن أغلبهم من خلفيات إيمانية يهودية, خاصة يهود اليمن ومن أشهرهم وهب بن منبه) والتي أفرد لها إبن عربي والبسطامي من الأوائل مئات الأبيات الشعرية في سياقات مختلفة, تبشر بها.

لكن السؤال, كيف سيتحالف المسلمين والمسيحين ضد اليهود في العالم أجمع؟ ولا توجد أي إشارات لذلك التحالف, فأقوى تجمع مسيحي في العالم هو في الولايات المتحدة, وهذا التجمع يكن كراهية عميقة للعرب والمسلمين ؟

ذلك السؤال الذي كان ينسف تماما الفكرة, فأوروبا مسيحيتها منزوية, وأمريكا اللاتينية لا يعول عليها فأكثرية أنظمة حكمها (في تلك الفترة) مماسح للصهيونية العالمية.

……

تعرفت على طفل أفغاني منزوي عن أقرانه مثلي, ومختلف في الملامح عنه, كنا نحفظ القرآن سويا في المسجد, ونقطن في نفس المنطقة الصغيرة, تعودنا على الذهاب والإياب معا, نسمع لبعضنا البعض ما حفظناه ذهابا, ونتحدث عن بلدينا إيابا, كان يحكي لي عن الجبال والوديان ومجاري المياة بينهما, وأحكي له عن المسجد الكبير الذي زرته صغيرا, وعن المجاذيب ومحال الحلويات المختلفة المحيطة بذلك المسجد, ونهر النيل.

سئلته يوما لما لا يصادق بقية الأطفال الأفغان ولما ينبذونه, أخبرني أن عائلته تتبع قائد أخر, لا يوافق على أفعال برهان الدين وحكمتيار(الذين تصارعا على الحكم بعد جلاء السوفيت) وأن ذلك القائد من شعب مختلف.

لم أفهم وقتها من هو القائد, ولماذا هناك شعوب داخل نفس الدولة؟

……………….

جمعتني جلسة في بيت أحدى الصديقات, بأصدقاء لم نتقابل منذ عشر سنوات, كنا في بداية أو منتصف 2025, لم يمض سوى أشهر قليلة على انتخاب ترامب, أشرت عليهم بضرورة متابعة تاكر كارلسون, وأن هناك تغيير واضح في إتجاه اليمين المسيحي في أمريكا, عبر عنه تاكر كارلسون في البداية, ومن ثم إنضم إليه آخرون.

نعرف تاكر منذ سنوات, كبوق من أهم أبواق اليمين المسيحي, تابعنا معاركه ضد الإجهاض, وإستخدامه لنصوص دينية لتحريم-تجريم الإجهاض, علاقاته بروسيا, دعمه الغير مشروط لترامب, معاركه الدائمة مع الليبراللين الأمريكان, أو من يسمونهم هناك زورا باليسار(وهو أمر مثير للسخرية عندي, حيث لم أرى أبدا أي يسار في أمريكا سوى جناح ضعيف للغاية داخل الديمقراطيين يقوده الجد برني ساندرز)

تشكك في كلامي الأصدقاء, كيف ليميني مسيحي متطرف ك تاكر, أن يعلو صوته ضد الصهاينة ؟ لكن بعضهم تابعه على أي حال بعدها.

…..

المتتبع لخطب كثير من الغزاويين والمقدسيين الإسلاميين, سيجد إصرار قديم على الإيمان بملاحم أخر الزمان(وهو أمر منطقي, فالمحتل يؤمن بنفس الملاحم وإن كان من زاوية مختلفة), وأعتقد أن ذلك الإيمان هو ما دفع الضيف و السنوار إلى الإعداد للطوفان وتنفيذه, لا أعتقد أن أحدهما رأى أنهم سينتصروا, بل رأوا أنفسهم وشعبهم مجرد تقديمات لدفع العجلة نحو النهاية, أعلم أن كثير من الداعمين للطوفان سيختلفون معي, ويستشهدون بخطابهم للسيد نصر الله, ومحور المساندة, أنهم كانوا يبتغون التحرير من وراء الطوفان, لكن ذلك كان الهدف النهائي, والذي علموا أنه لن يتحقق خلال الخمس سنوات التالية, بل أمامه من بعد ذلك التاريخ على الأقل 10 سنوات.

أرى أنهم رأوا مالا نرى, وأن هناك إلهاما ربانيا دفعهم لذلك, لا أرى أنهم مجرد قادة عسكريين أو سياسيين لشعب تحت نير الإحتلال, بل أكبر من ذلك بكثير, ومشهد مقتل السنوار هو ما أثلج صدري لتلك الرؤية, وأيقنه فؤادي.

……

تذكرت كلمات صديقي الأفغاني عندما كبرت, وتابعت تحركات البطل أحمد شاه مسعود, والذي إغتاله الأمريكان قبيل البدأ بعملياتهم في أفغانستان بعد الحادي عشر من سبتمبر, عقدت عليه آمال عريضة في التصدي للغزو, لكن الخيانة كما كل مرة إنهت تلك الآمال.

قضيت أكثر من عام في فهم العلاقات بين القبائل والأثنيات المختلفة في أفغانستان, لم أكن أعلم كل ذلك, علمونا أطفالا أن الأفغان هم على دين واحد ومذهب واحد, وأنهم متوحدين تحت راية الله(وكم من رايات لله هي رايات للشيطان).

كلما تقدمت في العمر, رأيت التفاصيل الكثيرة التي أخفوها عنا صغارا, رأيت الكذب بإسم الله, ورأيت النفاق والإدعاء تحت إسم الدين.

إن تبحرت داخل المذاهب والطوائف والفرق الإسلامية المختلفة, سترى الشيطان في كل التفاصيل, وسترى درجة الخداع والتزوير التي مارسوها علينا.

…….

أعلم أن الأساطير الدينية هي مجرد واجهة يختفي ورائها المصالح الحقيقية لمن يحكمون العالم, سمهم ما شئت, شركات كبرى متعددة الجنسيات, كبار المصارف العالمية والعائلات التي تديرها, شركات السلاح والغذاء, ضع المسمى الذي تشاء, فما هي إلا أسماء, لكن إن كنت مؤمنا, فأكيد سترى أن كل أفعالهم شيطانية, وأنه هناك وعد مثبت ومكرر في القرآن في أكثر من موضع, من الله للشيطان والعكس, بأنه سيعيث خراب في الأرض وفي نفوس المؤمنين, هو وعد من أهم الوعود الموجودة في الكتاب, ولا أرى أهم منه, وهناك أيضا خبر عن شخص أخر محدد في سورتي الأعراف وفصلت, خالد في الأرض إلى يوم القيامة, وأن حسب الكتاب هناك تحالف بينهما (سأفصل فيه يوما ما).

والهدف المشترك هو إفساد كل شيئ(أرجو أن تتذكر ذلك جيدا إن كنت مؤمنا).

….

تاكر كارلسون ومن شابهه ليسوا محبي للعدالة والحقيقة, وليسوا أخيارا, بل مجرد بيادق تتحرك على رقعة اللعب, بإيحاءات يظنونها من الله, كما كثيرين غيرهم من كل الديانات والأعراق.

لكن ما همني في تلك التغييرات التي شملت أشخاص هم من أحقر الشخصيات التي مرت في التاريخ (أندرو تيت, ودان بيلزيان ع سبيل المثال) سواء من مصادر ثرواتهم أو تحالفاتهم, أو رؤيتهم للمرأة والأجناس الأخرى الملونة, هي أن أساطير الأولين تأخذ منحنى تصاعدي في تحققها, وأن ما ظننته مستحيلا صغيرا, أصبح أقرب للواقع الآن.

فالتيار المسيحي اليميني الذي كان عادة داعما للصهيونية, يتراجع دعمه, ونرى بدايات غضب حقيقي تجاه الصهاينة وإسرائيل, لكن يجب أن ندرك أن هذا العداء ليس عداءا من أناس يحملون أخلاقا عالية, بل مجرد متطرفين عنصريين كارهي للمرأة, لذلك لا عجب أن نرى أن أكثر أعضاء إدارة ترامب تدينا (جي دي فانس) هو الأقسى في مهاجمة الكيان.

….

السنوات الثمان المقبلة, ستشهد مالم يخطر على عقل أي بشري, ستتحول المواقف والدفات, وسينكشف كل ما كان مخبئ في الصدور والغرف المغلقة, سواء في وطننا أو في المنطقة, العالم, سنرى ما ستكذبه عقولنا, ولن يصدق أحد, حتى ممن يرددون نفس كلامي, أو يصدقونه, ما بدأت هي الفتنة العمياء, تطرق أبوابنا جميعا على استحياء, لا يسمع طرقاتها أغلبنا, وينصرف عنها الكثيرين, ولا يصدقها غير طائفتين أكبرهم المختلين المصدقين في خزعبلات تستطيح الأرض وكائنات جوف الأرض إلخ, وقلة ممن يحاولون الإستيقاظ من الوهم وعالم الصور الذي ننام فيها جميعا.

“إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا"


Comments

Popular posts from this blog

معارضه يا ولاد الكلب

360 قضاء الله وقدره يا ولاد....

ابو اسلام في المنزل+شوية كلام