الأشباه والتسبيح



-بيقولي فين تصاعد الذروة في فيلمك (Climax) قلت له أنا مش بعمل أفلامي عشان أوصل التصاعد والذروة, أنا بعمل الفيلم اللي بحب أشوفه.

إبتسمت له, كنت أريد إخباره أني كذلك أكتب ما أحب أن أقرأ,أكملت على كلامه:

-ماهو مافيش ذروة في الحياة, الحياة عبارة عن إعادات لدوائر بنتحرك فيها, كل دايرة بتسلمك للي بعدها, أو بترجعك للي قبلها, وغالبا الأحداث المغيرة الحقيقية لنا, بتكون خارج أي تصاعد, وأقل حدث في سلسلة الأحداث السابقة واللاحقة.

لا أؤمن بأن هناك نقط لا عودة في الحياة, كل حركة واختيار في حياة كل منا, يمكن أن تتقدم بنا, ويمكن أن تعيدنا لما قبلها, ونمضي في حياتنا حتى الممات على هذا المنوال, لا يجد أحداث مغيرة للأبد, وإن تغيرنا.

…..

أتحرك وسط أشباه الأشياء, أحاول ألا أكتب أو أنطق شبه ما يكتبون أو ينطقون, لا لرغبة في التميز, بل لأني سئمت وسقمت روحي من تكرار المتشابهات, نأكل شبه الطعام, نحب شبه الحب, نتحدث شبه الحديث, حتى الإدعاء أصبح شبه الإدعاء.

كل الأشياء إستهلكت وتشابهت, والكل مصدق أنه الحقيقة.

…..

عندما اخترت لمدونتي الثانية في 2005 شعار, كان "عندما أصبحت كل الكلمات مستهلكة" أعدته مرة أخرى ب"عندما أصبحت كل الكلمات حمقاء" ضحكت بعد أن جلست مع أحد الأصدقاء المهتمين باللغة, وسئلني لما اخترت حمقاء, إبتسمت داخليا, قلت لنفسي لقد فهم ما أريد أن أقول, لكنه أردف, أن الصواب هو حمقاوات.

نظرت إليه في خيبة أمل معتادة, وأجبته أن حمقاوات ثقيلة في النطق, وإن كانت صائبة.

حدثني كما عادة من يحدثوني في الظاهر من كلماتي, كنت أتمنى أن يناقشني وقتها في معنى ما أقوله, لا في صوابية اللغة.

….

-إنت عارف يوم ما صحيت من الوهم, كل حاجة إتغيرت, ماكنتش متخيل إني كنت نايمة للدرجة.

-صحيتي ؟

-أيوه, كان فترة صعبة جدا.

-بس إنت فاهمة إن مافيش حد فينا صاحي, كلنا لسه نايمين, اللي بيصحى من البشر, بيختفي من وسطهم, بيقفل تليفونه, وكل وسائل التواصل, منهم اللي بيروح يعيش في مناطق بعيدة, يشتغل شغلانات بسيطة, ومنهم اللي فعلا بيهيم على وجهه, وبتتغير ملامحه تماما, ومابيعدش شبه البشر.

-دي تجربتي وأنا أدرى بها, وأنا عارفة إني صحيت, ومالكش إنك تسقط أفكارك علي.

-أنا مش بسقط أفكار والله, ولا بحكم, أنا بس بستغرب الجرأة في إستخدام ألفاظ ضخمة جدا, على تغيير إنساني وسلوكي, بيحصل لبشر كتير, وبكلمك بناء على أفكاري المبنية على حاجات, بذلت عمري كله عشانها.

-كل الطرق بتوصل, مش لازم طريقك هو الطريق.

-ماهي دي جملة ناقصة, ومنهم لله الأخوة الصوفيين, اللي بينثروا الكلمات على الخلق, من غير ما يفهموهم أبعاده.

-يعني أفهم من ده إنك مصمم إن طريقك هو الصح ؟

-لا والله, أقصد أن كل الطرق بتوصل, تكملتها إن في شروط جوهرية للطريق, برة الشيخ والمرشد وكل الحاجات السطحية, في شروط لازم البني آدمين تمتلكها قبل ما تقول جملة على هذه الدرجة من الخطورة.

-لكم دينكم ولي ديني.

-فل.

…..

لا أرى أن هناك "طرق" لله, هناك طريق واحد, تتعدد الروافد الموصلة إليه, وتختلف السبل, لكن الطريق واحد, والتجربة واحدة وإن اختلفت تفاصيلها, وليس كل من ذكر و عبد, أو مارس التأمل, والسياحة في الأرض, سائر على الطريق.

هناك من يتبع رافد الحب, وهناك من يتبع رافد الحقيقة, وهناك من يتبع رافد اللطف, والرحمة, كلنا نختار روافد تشبهنا كي نصل إلى أول الطريق, وحتى إن وصلنا إليه, لا يوجد ضمان أن تستمر, ولا تنكفأ وتعود من البداية.

…..

الطريق عندي كما التسبيح, التسبيح أصله سبح, والسباحة هي السير-الحركة في الماء, وإختلاف الحركة في الماء عن الحركة على اليابسة هو أنك تكون أخف, وجزء كبير من ثقل جسدك يحمله الماء, والأهم أنك في الماء تخضع للتيارات, وحركة الأمواج, يمكن أن تسير عكس الإتجاه على اليابسة, لكنك إن سرت عكس إتجاه الماء, لن تصل.

كلما زاد تسليمك للحركة الكبرى للكون, كلما تقدمت, وكلما عاندت وحاولت التملك والسيطرة, كلما إبتعدت.

….

منذ عشرين عاما, أعجبت جدا بملصق وضعه صديق على حاسوبه بالانجليزية"السمك الميت هو فقط من يسبح مع التيار" وأخذتها كقاعدة صحيحة, غير مدرك أنها مجرد مثل, لا حقيقة, وأن المعتاد أن الأسماك تسبح مع التيار إلا في مواسم محددة, كالتزاوج.



التسبيح هو الحركة إلى الله في تناغم مع قوانينه في الطبيعة, الطيور تطير حسب التيارات الهوائية, والأسماك حسب التيارات المائية, والحيوانات تهاجر مع مواسم الأمطار والجفاف, الكل يسبح حسب القوانين الموضوعة في الطبيعة, إلا الإنسان, الكائن الوحيد الذي ظن أنه يستطيع السيطرة على الطبيعة وقوانينه, وكلما تقدم خطوة في السيطرة, كلما أدبته الطبيعة باحتباس حراري, وتغيرات مناخية, وزلازل وبراكين و تسونامي, الكل يمضي طائعا لتلك القوانين, فهي مصنوعة من أجله, إلا نحن, نظن أننا أقوى, أذكى, أعلى من كل شيئ.

والحركة إلى الله, جوهرها هو التسليم له, والتسليم هنا كما لحظات التمدد على الماء, لا تحاول الحركة في أي إتجاه, ولا تحدد هدف تريد الوصول إليه, تسليم إرادتك لإرادة الماء, بلا خوف ولا شك.

….

-أنا حمار

-لا ماتقولش على نفسك كده.

-بس أنا حمار بجد, أستاذي كان بيقول كده على نفسه, وكنت برضه بمتعض لما بيقولها, لحد اللحظة اللي حسيتها فيها, بدرجة ما.

-تواضع ده ؟

-لا أنا أبعد إنسان عن التواضع, أنا حمار لأني عارف قيمة نفسي كويس, وشايف عيوبي ونواقصي, وفاهم إني لحد اللحظة حمار يحمل أسفار, شايل معرفة غير قليلة على ضهري, بس جزء كبير منها هو مجرد حموله, مش جزء مني.

نظرت لي بإستغراب, وقررت أن تغير الموضوع.

……

نصل إلى بعض من اليقين, فنعتبره يقينا, نرى جزءا من الجمال, فنعتقد أننا قادرين على تذوق الجمال, نرى ماهو بالخارج, فنعتقد أنه ما بالداخل, ونمضي أعمارنا متمسكين بما وصلنا إليه ورأيناه, ونحن في نهاية على الشاطئ, لم نختبر الماء, ولم يخبرنا.

…..

-بس هي شبهك أوي.

-مش عارف, هي يقينيه أوي, كل جملها فيها يقين عظيم, وأنا مابعرفش أتعامل مع الحاجات دي.

-ما أنت كمان يقيني.

-لا, أنا ببقى عارف وبقول وأنا بتكلم أن ده اللي أنا وصلت له ده الوقت, ممكن بعد شوية يتغير, بس الناس بتعتبر ده نوع من نافلة الحديث, في حين إني فعلا كده, أنا ماعنديش يقين غير إن الله موجود, وإن النبي أرسل, وإن علي هو ولي المؤمنين بعده.

غير كده, أي حاجة تانية قابلة للشك.

-ماهو ده يقين.

-لا ده إيمان.

…….

نستخدم الكلمات والتعريفات بأريحية شديدة, كأنها قميص أو بنطال, نختار ما يعجبنا, بدون النظر عن تناغمه مع ما يحيطنا, نرتدي ملابس لا تناسب البيئة, ونأكل طعام لا يناسب حياتنا, ونبني بيوتا مهلكة لساكنيها, ولكي نسد الفجوات, نصنع تكيفات تبردنا نحن, وترفع درجة الحرارة في الخارج, نستخدم مواد حافظة كي نطيل أعمار الطعام, ومبيدات كي تحارب حشرات ماكان ليوجد أغلبها إن كنا نزرع ما يناسب أرضنا, لكنها شهوة التملك والسيطرة, هي ما تقودنا, لا الخضوع والتسليم.

…….

-بس أنا بحبه.

-ماهو عشان تحب حد لازم الأول تكون فعلا بتحب نفسك, ولو ده ماحصلش, مستحيل نفسيا إنك تقول إنك بتحب.

-مش شايف إن ده كليشية ؟

-ماهو الكليشية مش غلط, الكليشية غلطه إنه بقى مستهلك, لدرجة أنه فقد معناه.

-إنت مش حتعرفني أحسن مني.

-ماهو أنا مش محتاج أعرفك أصلا, دي قوانين مستحيل أننا نطلع براها, عشان تحب, تعطف,ترحم الأخر بشكل حقيقي, لازم تكون بتعمل نفس الممارسات الأول مع نفسك, عشان تقدر تعملها مع غيرك, فاقد الشيئ لا يعطيه.

-رجعنا للكليشية.

-فل عليك.

………………

لا يوجد شيئ خارجنا, كل شيئ هو منا نحن, نحن من نصنع ماهو بالخارج, والخارج هو إسقاط للداخل, وداخل أغلبنا هو خراب, ولكي يقل الخراب في الخارج, لابد من أن يقل من الداخل, فإن هربت من إصلاح خرابك, لإصلاح خراب العالم, فسيزداد خراب الداخل والخارج.

وخراب الداخل أكثر رعبا, والعجز في التعامل معه, أكبر بكثير من عجز الخارج, لكن كلنا ضرب بفيروس الهروب, بمختلف درجاته, إلى أن تأتي اللحظة التي لا مفر منها.

إن إخترنا الإنسياق مع الأشباه, فلن نزيد الخراب إلا خرابا, ولن نتذوق أبدا معنى الحقيقة, وكل وما يهوى, وكل مايختار.

Comments

Popular posts from this blog

معارضه يا ولاد الكلب

360 قضاء الله وقدره يا ولاد....

ابو اسلام في المنزل+شوية كلام