ماتصدقيش
“عارف الصوت أقرب ل…..”
نظر لي مطولا, وأختار ألا يكمل, حاولت أن أدفعه للإكمال, لكنه رفض
“المهم يعني الملائكة محاوطانا في كل حته, ومش بس هم, كل المنتقلين وكائنات مالهاش عدد موجودة بس مش الكل بيشوفهم"
-أيوه, الصوت, إنت كنت حتوصف لي الصوت.
-لا أوصف إيه بس, هي دي حاجة تتوصف.
-ف إنت سمعتهم ؟
-غالبا تهيءوات ما تركزش.
…..
أستيقظت على رسالة من صديقة تدعوني لحفلة علي الحجار في القلعة, جاريتها رغم أن هناك صوت داخلي يخبرني أنه لن يحدث, لا كرها في علي, فهو من المحببين لقلبي, لكن لأنه مرتبط داخلي بقصة لا تنتهي, ولا أستطيع الفكاك منها, مهما حاولت, وأنا لا أحب إجترار الأشياء, وإن لم أستطع التجاوز,فلا أُفتح الجروح.
لم تمض ربع ساعة, واعتذرت الصديقة لتأخر ميعاد الحفل, وددت لو أخبرتها أني أعلم أني لن أحضرها, لكني صمتت.
…..
"ماتصدقيش إني وحيد في انتظارك..ماتصدقيش إني حزين بانتصارك..إزاي يطول جرح الغياب حد السما..ازاي يبان غصن الحنين بعد الخفا"
لم تكن علاقتي بعلي الحجار مرتبطة بالموسيقى, أعتقد أن علاقتي بكل المطربين مرتبطة بالكلمات, أتغاضى كثيرا عن الصوت والموسيقى, في مقابل الكلمات, وأجزم أن هناك مطربين إثنين نجحوا في هذه المعادلة وهما منير والحجار.
اعتقدت طيلة حياتي كذلك.
……
-طب مش مهم الصوت إيه, إنت حسيت بإيه ؟
-ماينفعش أقولك.
-عشان مش حفهم ؟
-لا والعياذ بالله, أقصد إن لكل واحد فينا تجربته, ولو نقلت لك تجربتي, لما ربنا يكرمك وتسمع, ممكن تتلغبط.
-طب وعملت إيه عشان تسمع ؟
-ماعرفش, ماعملتش أو عملت وأنا مش واخد بالي.
-طب ما تقرب لي الصورة ؟
-كل اللي أعرفه إني عشت قبلها سنين طويلة من غير تواصل حقيقي, من غير شغل, اليوم بيعدي بالضالين, والليالي واصله ببعض, النهار والليل مايتفرقوش عن بعض, ولأول مرة أبدأ أنهار تماما كده, نمت زي كل الليالي معيط وبدعي ربنا, ومش فاهم ليه مش بيتقبل دعائي, ساعة وكنت صحيت وسامع الصوت من حواليا في كل حتة, وريحة حلوة, مش عارف إن كان بخور ولا عطر.
-يعني لازم أنهار عشان أسمع ؟
-كُلُ وما قدر له.
……
“أنا أهلك وأنا ناسك في محراب الهوى ناسك.. وأنا في الغربة وناسك وناسك طيبة وسماحة"
يحسب لعلي الحجار دائما كلماته, والصدق الذي يحمله صوته.
“وحبيتك شجر طارح بيرمي ضله على الحران مواسم عشق ومطارح بتعشق حطوة الإنسان"
صغيرا لم أكن أحب علي الحجار كثيرا, أحببت له أغاني, لكنه كان وجبة مفروضة في التسعينات, في كل الحفلات, المسلسلات, اللقاءات, لكني ضربت بثلاث أغان له في التسعينات.
مع تقدم الزمان, ازداد ارتباطي بالحجار, أغاني أكثر أصبحت من مفضلاتي.
….
“أنا مش قادرة أبقى مؤمنة, ومش قادرة مابقاش, ومش قادرة أتواصل معه"
-ماهو إنت عمرك ما حتعرفي تتواصلي مع الله أو مع أي حد لو مش عارفة تتواصلي مع نفسك, مشكلتك مش مع ربنا, مشكلتك مع نفسك.
-يعني إيه؟
-يعني مش حتعرفي تؤمني بالله, لو مش مؤمنة بنفسك, إنت البداية والنهاية, وربنا تمام البدايات والنهايات.
صمتت حتى ظننت أنها ستصمت للأبد.
-عندك حق.
…..
منذ خمس سنوات, في لقاء مع صديقة أخرى بعد حفل توقيع كتابها, جلسنا في مقهى خانق وضيق في مصر الجديدة.
-إنت عايز تقولي إن في نبي في القرآن تاني غير سيدنا النبي ؟
-رسول, في رسول تاني ربنا بيخاطبه في أكثر من موقف غير سيدنا النبي.
-طب فهمني ؟
سردت لها يومها كل الدلائل التي جمعتها طيلة السنوات السابقة, كانت تنظر إلي نظرات خليط من الدهشة والهلع, من ثم بدأت تسئلني في أحكام كثيرة,وأعيدها في كل مرة للقرآن.
-إيه ده إزاي ماشفتش ده كله؟
-سبحان الله, مع إنه واضح ومباشر ومافيهوش أي صعوبة.
……
“زي ما بتقلع الجزمة وانت داخل عندي, إقلع كل الأفكار, إخلع نعليك"
للوهلة الأولى لم أفهم, لكن مع الوقت اطمئن قلبي.
الآن, أصبحت آيتي أنا أيضا, عندما يأتيني أحدا متسائلا, أخبره في البداية أن يخلع عنه كل أفكاره وكل ما تعلم, قبل أن يبدأ في قراءة الكتاب, أن لا يدخل على القرآن بأي أفكار أو توقعات مسبقة, إإتيه بلا ترقب بلا فهم سابق.
-إنت عارفه يعني إيه نعل ؟
-يعني شبشب أو جزمة.
-طب ما تفتحي المعجم كده وتبصي.
-لا يكون ده غلط كمان ؟
-إفتحي وبصي الأول كده.
“النون والعين واللام أصيل يدل على إطمئنان في الشيئ وتسفل, ومنه النعل المعروفة لأنها في أسفل القدم….”
-إيه ده يعني إيه ؟
-يعني ربنا قال لموسى جملة لها أكثر من معنى, ممكن ناخد المعنى الأول وهو إقلع الصندل اللي لابسه, أو المعنى الأصيل للكلمة, إخلع عنك ما إطمئننت إليه من أسافل الأشياء, وسأبدلها بالأعالي.
من أكثر اللحظات المحببة إلي هي لمع الأعين حينما تكتشف ما كان أمامها طيلة الوقت, ولا تراه, كأن تدور بحثا عن مفتاح طويلا وتجده في النهاية في يدك.
……
كل ما نبحث عنه هو أمامنا طيلة الوقت, لكن شقوة طفولتنا وجروحها تصنع حجاب يمنعنا من الرؤية.
نحن الحاجب والمحجوب, نحن العميان السائرين نياما.
-ماهو يأجوج ومأجوج دول أقوام مفسدة.
-مين قالك ؟
-الكل بيجمع على ده.
-ماليش دعوة بالكل, لي دعوة بالله هل ربنا قالك إنهم أقوام ؟
-أومال عمل بينهم سد ليه ؟
-لا إله إلا الله, فين ربنا قال إنه عمل سد ؟
-أومال إيه ؟
-هم قالوا لذي القرنين سد, قالهم لا ردم.
-أيوة عمل بين قوم يأجوج ومأجوج ردم.
-تاني؟ طب يعني إيه ردم ؟
-حائل بينهم.
-لما أقولك إردمي الحفرة دي, هل معناها إعملي حائل ؟ ولا أقفل الحفرة ؟
-يعني أقفلها.
-طيب لو عملت ردم, هل لو إنت بشر مش حتعرفي تعديه ؟
-حعرف
-طب خلينا نمسك كلمة يأجوج, إيه أقرب كلمة ممكن تيجي في دماغك ؟
-مش مجمعة
-أجيج, وبنقول يأجج النار أي يزيدها إشتعالا ومأجوج أي مشتعل.
فاحنا هنا بنتكلم عن صفتين الإتنين متعلقين بالنار, وزيادة عليها في ردم على المأجج والمأجوج, فالأقرب للعقل والأكثر مباشرة, إنه يكون فوهة بركان, بتنفث دخان وحممم وتم ردمها.
تكرر نفس الصمت, الذي تعودت عليه.
-هو أنا إزاي عمري مافكرت فيها كده ؟
-شفتي مع إنها الحاجة المباشرة والواضحة واللي قدامنا.
-أيوة ليه برضه عمري ما شفتها؟
-لأن النعل(الأفكار السافلة اللي اطمئننا لها) اللي ركبناه على مخنا, بيمنعنا من ده.
-طب واتعلم ازاي؟
-إعتبريها كتاب محبوب لمحبيه, العلاقة بين الإتنين مبنية ع الحب, والحب دائما محتاج جرأة, خليك جريئة حتى لو غلطت, وأوعي تخافي من تعليم ربنا, حتى لو خفت, اطمئني له.
….. ٍ
“ماتصدقيش إن الوداع لحظة ندم, وإن الغروب لحظة ألم, متصدقيش هجر الطيور لعشها, ماتصدقيش هجر الزهور لإسمها"
لا أحب أغنية لعلي الحجار ك "ماتصدقيش" أحببت ذلك الصراع, يعبر عني دائما,القدرة على انكار كل المشاعر والحقائق المتعارف عليها, فقط لاختيار الإختيار الأكثر صحة… ورغم كل ذلك الإنكار, لكنه يعلم جيدا أنه غير حقيقي, لكن أحيانا كثيرة إن اخترت الحقيقة وحدك دون من تحب, فلا معنى للحقيقة, سوى لديك, فينهار ويخبرها في نهاية كل مقطع "وقلبي اللي حبك لأخر مدى"
…..
نحن ظلمتنا, لا يوجد كائن على الأرض يستطيع ضرب أثمال الظلمة على أعيننا مثلنا, حتى الشيطان وأعوانه, لا أحد يقدر على ظلمتنا سوانا غير الله, والله لا مكان له وسط الظلمة, الله نور السموات والأرض, وهذا النور لا يأتي إلا حينما ندعوه مخلصين له, ونعلم أن لا مفر من الله إلا إليه, هو المعنى, وماسواه هو تجسد ناقص للمعنى, كما قال سيدي الحلاج"إنت قصدي ومعنائي".
Comments