محمد عادل
لي أسبوع أو أكثر, أحاول الكتابة عن محمد عادل, لكن مَلَك الكتابة هجرني, وكل ما أخط سطورا عنه, أتراجع, رغبة مني في أن أكتب بما يليق بالفتى ورحلته, فعذرا قبل القراءة إن لم أكن وفيته حقه, أو كانت جملي ضعيفة ومفككة, لكني لا أستطيع الفكاك من إحساس الذنب الذي أحمله ناحيته.
أخر مرة كتبت عن عادل, كانت في 2018, من بعدها لم أكتب عن أحد ولم أكتب بشكل حقيقي حتى أول العام, يمكن عادل الوحيد هو الذي أشعر تجاهه من جيلي بالذنب, أكثر من أي شخص أخر, رغم الإختلافات العميقة والقديمة التي بيني وبينه, لكن دائما هناك جزء في قلبي يحب الفتى (أعلم أنه رجلا الآن).
لا أحب الكثيرين, ولا أكره, لكني دائما ما أرى ما يتعامى عنه الكثيرين, تحت شعارات كثيرة, أو أهداف, أو مواقف "لامؤاخذة" ثورية, لكن عادل يختلف عن الكثيرين, عادل فاجومي, كثير الحركة و العراك, دائما يحيط حضوره نشاط مبالغ فيه, لكنه يحمل طيبة أبناء الدلتا, التي وإن سبوا وشوهوا بسبب الزمن أو نقائص ذاتية, فهم يحملون تلك الطيبة, التي قلما وجدت في أحد, سوى أبناء أسوان والنوبة.
….
لا أتذكر أول مرة رأيت عادل, لكني أتذكر أول صدام بيننا, في إبريل 2006 وقبل موجات الإعتقالات التي نالت كل نشطاء كفاية والمدونين (أغلب المدونين وقتها لم ينضموا بشكل رسمي لكفاية أو حتى شباب من أجل التغيير, وإن كنا نشارك في كل شيئ, لكننا حملنا إعتراضات عميقة على الحركة وقياداتها وأحزابها وتنظيماتها).
رأيت فتى في الثامنة عشر من عمره, صوته عالي, وكثير الحركة والإختلاف مع الجميع أو (جهجاهوني), يأخذ من الطباشير, كي يخط بيده على أرضية عبدالخالق ثروت إسم مدونته, مع أسماء مدوناتنا التي كنا نستخدمها للتجييش للإعتصام.
بعدها بأيام قليلة, سجنا سويا, لا أتذكر إن كان معي في نفس القبضة, أو ألقي القبض عليه بعدها بأيام, لكني أتذكر أنه وفتى آخر, كان هناك تهديد حقيقي بفصلهم عنا لأنهم لم يتموا الثامنة عشر, وسيحولوا إلى دور رعاية بدلا من السجن, كنا نحن الأكبر سنا من نفس الجيل, بمثابة حماية وإطمئنان لهم, كما كان الأكبر منا من الأجيال السابقة.
خضنا مفاوضات كثيرة من إدارة السجن, وعندما دخلنا في إضراب عن الطعام, حاولنا أن نستثني الإثنين (عادل والفتى الآخر) من المشاركة, لكن عادل غضب وقرر أن ينضم ويستمر معنا, سقط عادل في اليوم الخامس أو السادس لا أذكر(كان إضرابا تاما, ماء فقط, لا سكر لا محاليل جفاف لا شيئ) ومن إستمروا وثبت إضرابهم مننا, لم يتجاوز ال9 من أكثر من 50 معتقلا,إكتشفنا ذلك ونحن نقوم بتحليل السكر في اليوم الثامن للإضراب, بعد أن كنا نعتقد أن الأغلبية مشاركة.
…..
بعد خروجنا من السجن, كان عادل وآخرين في الجهة المعارضة لتحركات المجموعة التي أنضم إليها (لم نكن حزبا أو تنظيما, بل مجموعة من المدونين يحمل غالبيتنا أفكارا يسارية, وغضبا من إدارة كفاية والتنظيمات والأحزاب والليبراليين).
من القليلين الذين رغم اختلافتنا التي وصلت في مرة للاشتباك بالأيدي, نعلم أننا نحب بعضنا, لكننا لا نحب الأفكار التي يحملها كل منا.
…..
“عارفة, رغم إن فلان ليبرالي من وإحنا صغيريين, بس بحبه, لأن الرجل بيعمل اللي مصدقه ومصدق اللي بيعمله, أه فكريا هو عدو, بس بحبه"
لا أحترم سوى المتسق وإن كانت أفكاره عكس كل ما أؤمن به, لذلك ستجدني أقدر شخصيات تؤمن بالإسلام السياسي, أو الليبرالية, ولا أحترم شيوعيين أقحاح وناصريين, على الرغم من الإلتقاء الفكري.
يمكن ألا أحترم أفكارك السياسية أو الدينية, لكني أحترمك لإتساقك مع ما تؤمن به, وما أحترمه أكثر هو عدم متاجرتك بالثمن الذي بذلته من أجل تلك الأفكار.
…..
عادل صاحب مدونة "ميت" وهو عنوان إستغربته وسخرت منه كثيرا ونحن صغار"كان الفتى يسمي نفسه "محمد عادل ميت" وهو الإسم الذي حفظناه به على هواتفنا, كي نفرق بينه وبين غيره ممن يحملون نفس الإسم, ذلك الفتى صاحب الملامح الطفولية مهما كبر أو جار عليه الزمن, والذي يحمل الكثير من زملائه له حبا كبير, سجن قبل الثورة, وبعد الثورة, دفع الثمن مرارا وتكرارا, ولم يدفعه وحده, بل عائلته و أحبابه, وزوجته, تعدت سنوات سجنه حتى اللحظة أكثر من 11 عاما, ذلك الفتى الذي عرفته منذ مراهقته, قضى تقريبا ثلث عمره في الزنازين, بلا أي مكسب, مادي أو معنوي, وأعتقد أنه حتى بعد خروجه, لن يعوض أبدا, بخلاف غيره. لا يوجد تقريبا من يكره عادل أو يغضب منه, حتى حينما يأتينا بأفكار (تستاهل الحرق) كنا نتجاوز عن تلك الأفكار, ولا نكرهه.
…..
عادل هو واحد منا, دائما ما كان, ودائما ما سيكون, وإن أعتبرتك منا فهو أمر كبير يمكن ألا يدركه الكثيرين ممن لا يعرفوني.
لا أطلب من أحد أن يرق قلبه له, ولا أتوسل لأحد, فلا أعتقد أنه سيرضى بمثل ذلك, لكني أطلب من رب الجميع, رب العالمين, أن يتم نعمته عليه, ويخرجه إلى زوجته وأهله, آمنا مطمئنا, وأن يسبغ عليه فضله, ويريح قلبه وقلب أحبابه, وينهي هذه الغُمة التي لا تنتهي أبدا فصولها, ويكون من المنتظرين الصادقين للآتى.
في النهاية, أعتذر إن كانت كتابتي مفككة, أو أضعف مما في قلبي, لكن أرجو السماح على ذلك.
الحرية لمحمد عادل, الحرية لكل المعتقلين.

Comments