الناس نيام



وقعت في غواية فكرة لي سنين, تتسرب مني في محادثات مع أصدقاء, وتهرب من عقلي بعدها, أشعر بفقدانها, فأحاول التواصل معها, لكني لا أستدل على طريق لها, وكل مرة يمر بفؤادي جملة سيدي علي "الناس نيام فإن ماتوا إنتبهوا" تشرق لي في لحظات كشروق الزهرة قبل شمس الشتاء, و بمجرد أن أنفض عن عيني الوسن, تختفي.

…..

ديسمبر 2018

بناء على تجارب أصدقاء مقربين, ذهبت إلى دهشور, بجوار ميدوم, في الليلة الثانية, بدأوا الطقوس, تناولت مع المتناولين, أزعجتني أضواء الشموع الخافتة, فخلعت قميصي وغطيت به عيني, نبهني من هو بجواري أن أفتح عيني كي أرى, فأخبرته أن لا أريد أن أرى بها.

إنتظرت أن يبدأ المفعول, لكني لم أشعر بشيئ, من حولي الناس يبكون, يهمهون, يضحكون, والبعض يرقص, وأنا بينهم لا أشعر بشيئ.

إلى أن بدأت أمعائي تتقلب بعنف, إنتبهت إليها, لكني لم أأكل منذ 6 ساعات, تتعالى أصواتها, ودقات قلبي, ورجفة جسدي من برد حار, أو حرارة باردة, ارتعش جسدي, وتعالت الدقات, التي تحولت في أجزاء من الثانية إلى دقات دف.

وجدت نفسي في مولد الكريمة, أطفال يركضون, عجائز يتباركون, وشباب يترنحون مع ضربات الدفوف, أمامي مسرح خيال ظل, عرائس بشرية تتحرك, فجأة وجدتني وسطهم, إضطربت, لكزت من بجواري, لكنه لم ينظر إلي, أعلم أن هناك خيوط تحركنا, لكني لا أرى المحرك, أسمع من وراء الستار قهقات طفل, لكني لا أراه.

أطالع الجمهور من وراء الستارة, أسمع الأصوات, ولا أرى الوجوه.

تتعالى أصوات الجمهور المتحمس, وببطأ تتحول اللغة إلى الهندية, تركت الصف الذي أقف فيه مع العرائس, أزحت الستار قليلا, أمامي تمثال عظيم لبراهما, ونساء يرتدين الساري, ورجال يتصايحون.

الآن, أرى الوجوه ولا أفهم الأصوات.

تتعالى قهقات الطفل وهو يجذبني لأعود للصف, ترقص العرائس, وأرقص معهم, على غير إرادة مني.

وفي لحظة غضب, هرولت خارجا من الصف, لأجد الخيوط في يد طفل بالغ الضخامة, وجه بلا ملامح سوى الغباء.

تخفت حماسة الجماهير, وتنصرف, فيقوم الطفل بتحريكنا بعنف أكبر, تعود حماسة الجمهور, يفهم الطفل ما يريده المشاهدين, فتزداد سرعته في الحركة, فيتخبط أحدنا في الأخر بعنف أكبر, يصفق الجمهور.

الحبال كأنها حبل سري, وبدلا من أن ينقل الطعام, ينقل المشاعر.




يرى الطفل رد فعل المشاهدين, فيراه حسنا, فيزيد من قسوته, يسقط على الأرض سيوفا, تتناولها العرائس, يوحي إليهم أن يحاربوا بعضهم, ومع كل ضربة سيف, تعلوا حماسة الجمهور, ومع كل طعنة يبكون من اللذة.

لم أفهم لما لا يقطعون خيوطهم, صرخت فيهم, إقطعوا الخيوط, استفيقوا, لا أحد يسمعني, يرخي لي الطفل الحبل, فأتناول سيفا مغروزا في بطن عروسة, وأقطع حبلي, أركض إلى الطفل, أصرخ فيهم أن يتوقف.

يطالعني بعين ممتلئة بالجهل أو الغباء, أسمعه بلا صوت يخبرني:لا أحد يعترض غيرك, فابق أو أرحل, لكن لا تحادثني بعد الآن.

أصرخ فيهم للمرة الأخيرة, إستيقظوا, لكن العرائس التي أحالتها الدماء إلى حالة من النشوة, لم تلتفت لي.

مضيت بين صرخات الجمهور المنتشي, نظرت إلى تمثال براهما

-يرضيك كده ياسيدي ؟

-مادام هم راضيين, فده إختيارهم.

-وليه راضيين؟

-عشان اللي بيحس به الطفل, بيحسوا به.

…..

الذات الإنسانية أو الإيجو, ماهي إلا وهم خلقناه خلقا في الثالثة من أعمارنا, لم نولد به, ولم يظهر إلا في الثالثة, خلقنا وهما ليحمينا من العالم الخارجي, ولم ندرك حتى اللحظة أننا خلقنا وحشا سيبتلعنا يوما ما.

فنفس الجدران التي نبنيها للحماية, هي من تمنع عنا النور.

لا آمان أكثر من حفرة في باطن الأرض, ولا أمل أن ترى أي نور تحت الأرض.

……

-إنت عارف أكتر جملة بحبها لسيدي علي إيه ؟

-إيه يا فنان؟

-الناس نيام, فإن ماتوا إنتبهوا.

تنامت إبتسامة واسعة على وجهه وضحكت عينه.

-طب إنت لك عندي هدية.

سقط قلبي بين يدي, أخاف من هداياه, ففي إستطاعته أن يهديك منزله بكل مافيه, إن لمح في عينك رغبة في ذلك.

خرج من غرفة نومه حاملا فانلة خضراء زيتية, فردها أمامي.

-إقرأ كده

“Life is just a dream for the dead”

إبتسمت له -ده نفس المعنى.

-دي مقولة عند الشعوب الأصلية للأمريكتين, وحتلاقي نفس المعنى بيتكرر في البودية, والهندوسية, وعند بعض المسيحيين.

-ده معناه ……

قاطعني بسرعة ولهفة

-معناه إن الفكرة دي عالمية, قالتها أديان وحكماء في كل حتة في الأرض.

-يعني إحنا فعلا بنحلم ؟

-بس حلم مشترك, وكله من أصل واحد.

-وشعور مشترك ؟

-كله واحد يا فنان.

……..

إبريل 2026

-إنت عارفه إنك مش صاحية؟ أنا وإنت وكل البشر نايمين وبنحلم, إنت في حلم.

-بشكل فلسفي ممكن.

-مش مجاز هو ولا فلسفة, دي حقيقة, مش بنعرفها غير في لحظات خاطفة في الحياة, وبننساها بسرعة.

-إنت عارف إن كل أحلامي بتتحقق ؟

-عشان مش أحلام, أحلامنا مجرد عملية إنزال للحقيقة, بتستخبى جوا رموز وهلاوس وإحنا نايمين, بس مخنا بيحملها زي ما بنحمل أي برنامج أو كود.

-طب لو إحنا بنحلم, قبل ما نحلم كنا مختارين الحلم ؟

-ماعرفش أوي, بس حاسس إننا إخترناه.

-وليه حد يختار العذاب ده كله ؟

-عشان الألم هو أكتر شيئ حقيقي في الحياة, وبسببه كان عندنا أمل أنه يصحينا من الحلم اللي اخترناه, و هو اللي بيغير اتجاهنا, أو هو اللي بيخليني نغرق أكتر في الكوابيس.

-إزاي يعني ؟

-حسب ما أعتقد, وممكن أكون غلطان تماما, إن الألم هو الأمل الوحيد إننا نصحى, لما تروحي في سبات عميق, وحد بيحاول يصحيك, الطريقة الأنجع لده, هو أنه يقرصك, أو يهزك, والإتنين فيهم درجات من الألم, عشان كده بنصحى, نفس الفكرة, الألم بيفتح أدامنا باب للصحيان, بس غالبا عشان كلنا بنهرب منه, وكلنا مش عايزين نحسه لأخره, فمابنصحاش.

-بص, أنا مصدقة إنك مصدق اللي بتقوله, بس أنا مش قادرة أوي إني أشوفه.

-ربنا ينور قلبك.

…….

صغيرا, كانت كرة القدم رياضة, لا ترفيها, لا صناعة, لعبة تنشط أجسادنا وعقولنا, كانت الموسيقي فنا, يحاول ممارسيه أن يصلوا به إلى الكمال, والكتابة طريقا للرضا, والفهم, والمعرفة ضرورة لا استعراضا.

رأيت كرة القدم وهي تخصص وتتحول إلى أموال لابد أن تدفع كي تلعب, وتدفع لتشاهد, أصبحت صناعة وترفيها.

والموسيقى سبيلا إلى الشهرة والمال والممتلكات وطبعا ترفيه.

والكتابة والمعرفة, سباقا, لمن ينشر أكثر, ويكتسب شهرة وحفلات توقيع وتدريبات وسينمارات وسيناريوهات .

والكل أصبح ترفيها, وصناعة, يتفاخر ممارسيها بتلك الكلمة(صناعة) منتجا إستهلاكيا, ومع الوقت قصر عمر ذلك المنتج, وكثرت المنتجات وتشابهت إلى حد لم تعد تفرق بين سطور هذا وذاك, وغناء تلك وجوائز ذلك.

وتزداد الظلمة, ويزداد الغضب المكتوم الغير مسموح له بالتنفيس.

وتطول حبال القهر, مقهور يقهر من أضعف منه, مظلوم يظلم من هو أدنى منه, والكل يلعن الظالم ويود في نفس اللحظة أن يكون مكانه.

……..

وما الذي نفعله بأنفسنا ؟

يزيد الحالم من ألمه, لعله يستيقظ, فتغرق صورته التي في الحلم في شتى أنواع الإلهاءات كي يصرف عنه الألم ويسكنه بـ جنس, مخدرات, كحول, سلطة, مشاهدات, فضائح, كوارث, هلاوس دينية, وأي شكل من أشكال الترفيه.

بعضنا يغرق في إلهاءاته, والبعض يزهد في الإلهاء, فينظر إلى ألمه, ويقرر أن يحاربه, والقليل من يقبل ألمه.

…..

لا شيئ خارجنا حقيقي, نحن من يخلق كل شيئ, سواء على المستوى الفردي أو الجماعي, بالمشاركة الإيجابية أو السلبية, جاني أو مجنى عليه, كلنا في نفس الدائرة, فاجرنا ومتقينا, كلنا نلعب أدوارا في نسخ الحلم المختلفة, نزيد أوجاعنا كي نستيقظ, من يرفض ويلهي نفسه يتماهى مع حلمه, من يهرب من ألمه في تصوف أو غناء أو رقص أو فرجة دائمة على شاشه, ومنا من يتعلم أن لافائدة من اللهو, وأن الألم يزداد مع الوقت, فلابد من التوقف.

……

-عارف, أنا عمري ما عرفت أعمل علاقة مع سيدنا علي, دائما بحسه شديد كده, وجامد.

-سيدي علي ؟ ده مافيش أحن من سيدي علي إلا سيدنا النبي.

-مش عارفه, عمري ما عرفت.

….

محبي الإمام كثر, منهم من يحبه لحكمته, ومنهم من يحبه لشجاعته, ومنهم من يحبه لدينه.

لكني أحبه ك علي, نور الطريق, ومرشد الحيارى, دليل التائهين, وعلامة السائرين.

أحبه لحبه لنفسه, وأحبه لحبه لأخيه النبي, وأحبه لحبه لفاطمة, وأحبه لأنه علي.

……




الألم طريق, وتاج الشوك ليس رمزا بل حقيقة, والخروج من المدينة لمكة نفيا لا هجرة, وما نار إبراهيم إلا ليكتمل ألمه ويتم استيقاظه.

ولا حقيقة في عالم الوهم إلا الله الحق, لا الإله الذي دلونا عليه, الله لا يصل إليه إلا من حنف, ومن ثم استقام, فاحنف وسر إليه, يمكن أن نستيقظ يوما ما.

Comments

Popular posts from this blog

معارضه يا ولاد الكلب

عبد الكريم وحرية التفكير

360 قضاء الله وقدره يا ولاد....