يقين
لا أنبهر كثيرا، أعتقد أن هناك جزء معطل منذ طفولتي في عقلي، لا أتحمس كثيرا، ولا أضحك وقت إلقاء النكات، ولا أبكي عندما يبكي الجميع.
أضحك وقت المصائب دائما، لا أنسى نظرة إبنتي بعد أن كادت تنقلب بنا عربة أخي، ونجونا بأعجوبة، ضحكت من قلبي، وغمرتني السعادة، لم تفهمني، وأخذت تصرخ في "إنت بتضحك ليه، إحنا كنا حنموت"
-بس ماموتناش وماحدش فينا حصله حاجة.
-والدم اللي ع وشك وايدك؟
لم أنتبه أني أصطدمت بزجاج السيارة، وأن هناك جروح في رأسي ويدي(وارتجاج بسيط في الرأس، لم أنتبه إليه إلا حين عودتي للمنزل ودخولي في إغماءة بسيطة, أعتقد أن سبب تخلفي العقلي, راجع لكثرة الإرتجاجات التي ضربتني).
-بابا، إنت مابتحسش.
أحتضنتها وحاولت إفهامها، مادام المصيبة مرت، فلا شيء يدعو للحزن أو البكاء، وأن ضحكي وفرحتي شيء طبيعي بعد النجاة(بالنسبة لي ع الأقل)رغم الخسائر, وهو أمر معتاد عليه.
حدث ذلك منذ سنتين،وعندما تتذكر إبنتي ذلك اليوم، ترمقني بنظرة عتاب وإتهام في عقلي.
مؤقن أنا من حب إبنتي لي, لكني غير موقن إن كانت تراني متزنا كما من حولها.
…
كنت خفيفا ذات يوم، لا أحمل هما لأمس أو غد، لا أخاف من الحياة أو الموت، وكل مرة غرز قلبي في الحب، كنت أحب كأنه الحب الأول.
فمال لقلبي أصبح أثقل من الرصاص، وقدمي لا تحتمل الخطوة، وصدري لا يحتمل الحب؟
حملت أثقالي ولم يشكو يوما ظهري، ولم تخذلني يداي.
فمال ظهري لم يعد يحتمل, وتخدلت يداي؟
…...
يمكن أن تعلمك نملة، وأنت في جحرك
ويمكن أن توقظك رفة جناح طائر، وأنت على جبل.
ويمكن أن ترى لون في السماء، فيبتهج قلبك.
ويمكن أن ترى خطأ السنين في ضحكة إمرأة هواها يوما قلبك.
كل الممكنات حتمية الحدوث، إن قبلت بها.
……..
غير قابل لليأس, أو الإستسلام, لم أستسلم أبدا في حياتي من قبل ولم يطرق اليأس قلبي, وإن بديت متشائما للكثيرين, لكني أحمل قدرا من التفاؤل لا أعتقد أن هناك من يحمله مثلي.
وعندما يقترب مني الإحباط, وتحاوطني التوهة, أجد رحمته تعالى من حولي, في آية, في نظرة يمامة, في سكون غراب تتجمد نظراته على عيني لدقائق طويلة, أو آية تنبعث من المذياع تذكرني بالمُعلِم الأكبر.
…….
آيات بحث إبراهيم في سورة الأنعام تحمل في طياتها معنى مررت عليه كثيرا ولم أنتبه.
بدأت الآيات بالهدف النهائي لبحث إبراهيم
“وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين"
الهدف النهائي هو اليقين, وهو هدف لا يأتي إلا بعد الإيمان, مصداقا لآية سورة الحجر
“واعبد ربك حتى يأتيك اليقين"
بعدها يختزل الله لنا رحلة إبراهيم الأولى في ثلاث آيات, قبل أن يصل للنتيجة في الرابعة.
“فلما جن عليه الليل رآى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين"
“فلما رآى القمر بازغا قال هذا ربي فلما آفل قال لئن لم يهديني ربي لأكونن من القوم الضالين"
في الأولى قال إبراهيم أنه لا يحب الآفلين, ورغم أن القمر أفل مثل الكوكب, تأكد أن الأفول ليس صفة ربه, فدعى ربه ليهديه, لألا يكون من الضالين.
لكن الله لم يستجب له, رغم إيمان إبراهيم في هذه اللحظة أن ربه أعلى ولا يأفل.
“فلما رآى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما آفلت قال ياقوم إني بريئ مما تشركون"
يتبادر سؤال قبل أن أكمل, هل لم يرى إبراهيم في سنين حياته السابقة شمسا ولا قمرا ولا كوكبا ؟ ألم يعلم أنهم يغيبوا ؟ ألم يعلم أنهم غير حاضرين لعينه طيلة الوقت ؟
هنا نعود لنفس الفكرة التي عرضتها من قبل, والتي تثير استغرابي ودهشتي وهي ما أختصره الله في
“وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون"
نحن جميعا نمر على آيات الله ليل نهار, لكننا نعرض, بعضنا إنشغالا, بعضنا إستخفافا"ماهو مش لازم كل حاجة بتحصل يبقى لها معنى" بعضنا غضبا.
إبراهيم مثلنا جميعا وهذا الأمر هو ما أوقعني في حبه, يعرض, يشكك, يغضب, ينصرف, يخطأ وينيب, ويشكو.
إبراهيم أعرض قبل هذه اللحظة عن كل الآيات العظمى, الشمس تشرق وتغيب, القمر يبزغ ويأفل, الكوكب يظهر ويختفي, لكن بلا معنى, كما كل شيئ في الحياة قبل هذه اللحظة.
……
دائما ما أخبر أي أحد في التعارف الأول, أن لا شيئ يميزني كإنسان, لست الأكثر موهبة, ولا الأقوى, ولا الأذكى, لكن مصدر فخري الوحيد لنفسي, هو أني أمتلك إصرار الجدي الجبلي.
إن كنت من محبي وثائقيات الطبيعة, وشاهدت الجدي الجبلي في صعوده للجبل, كيف يسقط عشرات المرات, من إرتفاعات تسحق عظام أي كائن, ورغم ذلك ينجو, لا يتوقف للعق جراحه, لا يبحث عن شريكة كي تخفف عنه, بل يعاود المحاولة, إلى أن يصل أو يموت.
وأنا لي جبلي, وإن بدا لغيري ثقب أسود.
…..
يمكن أن تغمض عينك وتسير, يمكن أن تقطع رجلك وتمضي, يمكن أن تصم وتشل وتستمر.
لكن ثقل القلب, هو ما يقعد البشر عن الحركة.
القلب المثقل لا يتحرك, ثقيل القلب يرى الموت نجاة, ويرى كل مافي الحياة ظلال لحقيقة مخفية, وسراب لا ماء عنده.
…..
لم يعطى إبراهيم مسئلته من المرة الأولى, بل لكي يصل إلى ما أراده الله له "...وليكون من الموقنين" الله لم يرد لإبراهيم أن يكون مؤمنا, بل أراده موقنا, وهي درجة لا يصلها إلا القليل من البشر, ولذلك تركه في ظلمات الشك حتى اللحظة الأخيرة, التي رأى فيها أكبر موجود في مجموعتنا الشمسية, عندما تأملها ورأى أنها أيضا تأفل, أيقن أن الشمس بكامل قوتها وعنفوانها تأفل, فخالقها هو أعلى وأقوى وأكبر, عندها وصل لليقين.
الإيمان غيبي, نحن مؤمنين بإله لانراه, ولا نسمعه, ولا نعرف له شكل أو تكوين, وحتى سماته لا نعرفها"...هل تعلم له سميا"لكن اليقين هو الهدف, واليقين إن حدث لا يتزعزع, يمكن لمؤمن مهما بلغ من الخير والتصديق أن يكفر, لكن الموقن لا يتراجع, لا يهتز, ولذلك إبراهيم الموقن هو من ألقي في النار, إبراهيم هو من صورت له أحلامه قتل إبنه.
ولذلك إبراهيم هو خليل الله, وهو الأب, وهو أعلى الأنبياء, وعندي هو أعلى البشر كافة.
……………………..
الصراع لا ينتهي, الحياة هي الوهم الأكبر الذي نمر فيه,وكل ما أقتربنا من تفكيكه وفهمه, نختبر بشيئ يغرقنا في الوهم أكثر, وكل حسب إختباره, هناك من يختبر في قلبه, ومن يختبر في صحته, أهله, ماله, كرامته, حريته الخ.
وكل إنسان بضعفه, وشقوته(ترومته).
الإختبار مرن, يتغير يتطور, يزداد صعوبة, أو سهولة, فالخير والشر فتنة.
……..
لا تخف حينما تتهشم عظامك, وتتكسر جدران قلبك, لا ترتعب حينما تدق الهزيمة بابك, فلن ترى إلا إن إنكسرت, وتحملت الليالي التي تعتقد في خضمها أنها لن تنتهي أبدا, حينما تهرب من البكاء إلى النحيب, وتدرك في لحظة أنه لا مسؤول غيرك عما حال إليه حالك, فتضحك على ماأقترفته, وما دمرته, وتعرف أن س وش وص وض من البشر, وإن كانوا أشرارا, فهم ليسوا السبب, حينما تنظر إلى وجهك الذي تداخلت ملامحه في المرآة, وترى المسؤول عن كل ما مررت به, وتفهم أنك المسؤول, حينها تلقي بنفسك في النار, التي ستطهرك, إصمد في النار, ولا تخف, ستمر, وتأفل, كما الشمس والقمر والكوكب.
….
لا تبحث عندي عن معنى, فلا معنى أقدمه, ولا أملك سوى قدرة متواضعة على طبع الكلمات, لعل كلمة منها, تنفع.
Comments